شاهد قبر

لمحة نيوز

وقالت كل سنة كنت بكتبلك جواب. قلت ليه ما بعتتيهمش؟ قالت لأنهم قالوا لي لو حاولت أوصل لك، هيمنعوني من رؤيتك للأبد. فتحت أول جواب.. كان مكتوبًا في يوم عيد ميلادي الخامس، ثم السادس، ثم العاشر، ثم الثامن عشر، ثم العشرين.. 28 جوابًا، 28 سنة! كل سنة كانت تكتب لي، وكل سنة كانت تحتفظ بالجواب. بدأت أعيط، وقلت كنتِ بتعرفي اسمي الجديد؟ قالت عرفت بعد سنوات. ثم ابتسمت بحزن بس بالنسبة لي، عمرك ما كنتِ كاثرين.
قالت اسمي الحقيقي.. الاسم الذي أعطاني إياه والداي الحقيقيان. لأول مرة أسمعه من شخص يناديني به بحب. حسيت بحاجة غريبة جدًا، كأن جزءًا من حياتي كان بيرجع لي. لكن في نفس الوقت، ما قدرتش أكره العائلة اللي ربتني بالكامل، لأن الحقيقة كانت أعقد من كده. والدي ووالدتي ارتكبوا خطأ لا يمكن تبريره؛ سرقوا مني اسمي، وسرقوا مني أصلي، وحولوني إلى بديلة عن طفلة ماتت. لكنهم في نفس الوقت... ربوني. مرضت فكانوا بجانبي، وقعت فحملوني، نجحت فاحتفلوا بي، وفي لحظات كثيرة، كانوا يحبونني فعلًا. المشكلة إن حبهم كان مختلطًا بسر كبير، وبخوف كبير من خسارة المال.
رجعت بيت أهلي بعد أيام، دخلت عليهم وكانوا قاعدين في الصالة.. ولا واحد فيهم اتكلم. حطيت ملف جدي قدامهم، وقلت أنا عرفت كل حاجة.. عرفت إن كاثرين ماتت، وعرفت إنكم جبتوني مكانها، وعرفت إن كل ده كان بسبب وصية جدي، وعرفت إنكم خفتوا تخسروا الثروة. والدي قال في البداية، أيوه. بصيت له، فقال لكن بعدين، بقينا نحبك إنتِ. قلت كان لازم تحبوني من غير ما تمحوا هويتي. أمي قالت أنا آسفة. قلت أنا مش عارفة إذا كنت أقدر أسامحكم دلوقتي. سكتت، ثم أخرجت ورقة وقلت لكن فيه حاجة تانية. الورقة كانت نسخة من الوصية. قلت أنا مش هاخد فلوس كاثرين. والدي رفع عينيه إيه؟ قلت الفلوس دي اتكتبت باسم بنت ماتت، مش باسمي. والبنت دي كان ليها حق إن ثروتها تروح للجمعيات الخيرية لو ماتت قبل السن القانوني، وأنا مش هسرق حقها.
أمي بكت، لكن المرة دي، ما كنتش عارفة إذا كنت ببكي معاها ولا عليها. اتفقنا مع المحامي إن الوصية تنفذ كما كتبها جدي، وجزء كبير من الثروة ذهب إلى الجمعيات والمؤسسات التي حددها. أما أنا، فقررت ألا آخذ من أموال كاثرين شيئًا. كان عندي شغلي، حياتي، والمهنة اللي اخترتها بإرادتي.
وبعد شهور، بدأت أزور أسرتي الحقيقية باستمرار. ما رجعتش أعيش معهم، لكن بقيت أعرفهم عرفت إخوتي، عرفت طفولتي من الصور، عرفت الأكلات اللي كانت أمي بتعملها، وعرفت إن فيه ناس في حياتي كانوا بيحبوني قبل ما يعرفوا حتى إني بقيت كاثرين.
أما والدي ووالدتي... فالعلاقة بيننا ما رجعتش زي الأول، لكنها ما انتهتش أيضًا. احتجنا وقت طويل؛ وقت عشان أفهمهم، ووقت عشان هم يفهموا إن الاعتذار مش بيمسح 28 سنة.
وفي يوم، رجعت للمقابر.. مش عشان قبر صديقي. المرة دي، رحت لقبر كاثرين. وقفت قدامه، كان الاسم لسه موجودًا كاثرين محمود الشاذلي. نفس الاسم اللي سرق مني سنوات طويلة. لكن المرة دي ما حسيتش بالخوف. حطيت وردة صغيرة على القبر، وقلت أنا مش إنتِ. وسكت، ثم ابتسمت وسط دموعي وإنتِ مش أنا.. بس أخدنا من بعض حاجات ما كانش لينا ذنب فيها. وقفت شوية، وبعدين قلت ارتاحي.. أنا هعيش حياتي.
لفيت ومشيت. لأول مرة، ما كنتش ماشية بعيدًا عن قبر.. كنت ماشية ناحية حياتي. وفي اليوم اللي بعده، غيرت اسمي رسميًا، رجعت اسمي الأول.. الاسم اللي اختارته أمي الحقيقية. والغريب إنني لما وقعت اسمي الجديد على الورقة، حسيت إن إيدي بتترعش.. مش خوفًا، لكن لأنني لأول مرة منذ 28 سنة... كنت بكتب اسمي أنا.
أما القبر الذي يحمل اسمي القديم، ففضل في مكانه، شاهدًا على سر دفنته عائلتي لسنوات. لكن الحقيقة في النهاية ظهرت، وأنا فهمت شيئًا واحدًا لن أنساه أبدًا ممكن حد يحاول يمحي اسمك، أو يغير حياتك، أو يحطك مكان شخص تاني... لكن محدش يقدر يقرر مين إنتِ.
أنا لم أكن بديلة عن كاثرين، ولم أكن خطأً يجب إخفاؤه.. كنت أنا. ومن يومها... بدأت أخيرًا أعيش باسمي الحقيقي.

تم نسخ الرابط