حماتي باعت دهب أمي
دخلت ست في أواخر الخمسينات، لبسها عملي جدًا، ملامحها حادة، وماسكة في إيدها شنطة أوراق جلد.
أول ما حماتي شافت الست دي… ابتسامتها اختفت تمامًا. وشها بهت وبقى أصفر زي الليمونة. قامت من مكانها وهي بترجع لورا بخطوات مهزوزة، وقالت بصوت بيترعش: — إنتي؟! إنتي إيه اللي جابك هنا؟!
الست بصتلها من فوق لتحت بهدوء تام، ومردتش. أحمد شد كرسي للست وقالها: — اتفضلي يا أستاذة نيفين.
حماتي صرخت بصوت عالي: — إنت اتجننت يا أحمد؟! جايب دي بيتي ليه؟! إنت متعرفش دي جاية تعمل إيه؟!
الأستاذة نيفين فتحت شنطتها بمنتهى الهدوء، وطلعت منها ملف أحمر كبير. حطته على الترابيزة قدام حماتي، وفتحت أول صفحة. وساعتها… ولأول مرة من يوم ما اتجوزت… شوفت الرعب الحقيقي في عين حماتي.
الأستاذة نيفين عدلت نظارتها الطبية ببطء، وفتحت الملف الأحمر، وبصت لأحمد كأنها بتستأذنه يبدأ العرض. أحمد أشار لها برأسه وقال بصوت هادئ يحمل نبرة جليد: — اتفضلي يا أستاذة نيفين، عرفي الست الوالدة إحنا جبناكي هنا ليه، ووضحي لها إزاي "مال العيلة" بيتم إدارته صح.
حماتي كانت واقفة مكانها، عينيها جاحظة ووشها فقد كل درجات الحياة، وصوتها طلع مزلزل ومكسور وهي بتقول: — أحمد.. انت بتعمل فيا أنا كده؟ عشان خاطر مراتك؟ عشان شوية حتت دهب رخيصة؟
أحمد بص لها بجدية وقال بصوت قاطع: — مش عشان شوية دهب يا أمي.. الدهب ده غالي عشان ريحة أمي الله يرحمها، بس الأغلى منه هو الأمانة والكرامة. وحضرتك لما دخلتي بيتي سرقتي وبعتي من ورا مراتي، يبقى لازم تفهمي إن لكل فعل رد فعل. الأستاذة نيفين محامية، والملف اللي قدامك ده فيه عقود بيع الشقة اللي كتبتيها لنفسك بالتزوير من ورث عمي المرحوم، وفيه الشيكات والمستندات اللي تثبت إنك كنتي بتلعبي بفلوس العيلة كلها سنين، وكنتِ فاكرة إن محدش يقدر يقف قدام جبروتك.
الأستاذة نيفين كملت الكلام بصوت مهني بارد: — مدام سناء، بصفتي الوصية القانونية وبصفتي محامية الأسرة، الملف ده جاهز للتقديم للنيابة العامة صباح بكره. الشقة اللي كتبتِها باسمك بطرق غير مشروعة، وتوقيعاتك اللي زورتيها على إيصالات سداد الميراث، كلها مسجلة وبأدلة قاطعة. الأستاذ أحمد كان ساكت الفترات اللي فاتت احتراماً لكيان العيلة، بس لما وصل الموضوع لمد إيدين على بيت مراته وسرقة أمانتها، طلب مني أطلع الملف وأجهزه للتنفيذ الفوري.
حماتي الكرسي خانها ووقعت عليه، مبقتش قادرة تنطق بكلمة واحدة. الجبروت والتعالي اللي دخلت بيه الشقة اتهدموا في ثوانٍ معدودة. بصت لأحمد برجاء ودموع تماسيح نزلت على خدها، وقالت بصوت خافت بيترعش: — يا أحمد.. دي أمك! هتوديني السجن عشان مراتك؟!
أحمد اتنهد بحزن دفين، وقرب منها ووطى على ركبتيه قدامها وقال بصوت دافئ بس حاسم: — عمري ما كنت أتمنى أحطك في الموقف ده يا أمي، وعمري ما هسمح إن أمي تدخل السجن. الورق ده كله مش هيتحرك خطوة واحدة، والشقة هترجع لأصحابها الشرعيين، وفلوس عمي هترجع بالمليم، بشرط واحد…
حماتي بصت له بلهفة وخوف: — شرط.. شرط إيه؟ أنا أعمل أي حاجة!
أحمد كمل كلامه: — تروحي حالًا لمرات أخوكي تلمي الشيكات بتاعتهم، وتجيبي فلوس دهب مراتي كاملة من اللي قبضتيه، وترجعي تعتذري لمراتي قدامي وبأدب، وتعترفي قدام الكل إنك غلطتي. غير كده، والله العظيم يا أمي، الأستاذة نيفين هتقوم دلوقتي تسلم الملف للنيابة، وأنا اللي بنفسي هقف أشهد ضدك في المحكمة.
الكلمات نزلت على حماتي كالصاعقة. بصتلي أنا وأحمد، ولأول مرة أشوف في عيونها نظرة انكسار حقيقية. عرفت إن الطريقة اللي كانت ماشية بيها في الحياة، اللي قوامها السيطرة والبلطجة العاطفية، انتهت بلا رجعة.
قامت ببطء شديد، عظامها بتخبط في بعضها، ومشت ناحيتي وهي باصة للأرض، وقالت بصوت مكسور تمامًا: — حقك عليّا يا بنتي.. سامحيني، أنا ضيعت نفسي بجبروتي.
أحمد بصلي، وكان في عيونه اعتذار صامت بيحتويني وبيقولي إن حقنا رجع تالت ومثلث. سيبت حماتي تعاني مرارة الموقف، ودخلت أجيب علبة القطيفة الفاضية، وأنا حاسة إن روح أمي سامحتني في السما، وإن الظلم مهما طال ليله، فجر الحق لازم يظهر ويمحي كيد الظالمين.
ياترى بعد الدرس القاسي ده، حماتي هتتغير للأبد وتعرف إن الأصول مش بالسيطرة ولا بالسرقة، ولا دي مجرد هدنة مؤقتة؟