مصروف البيت منال علي

لمحة نيوز

اللي فيها الدرج!
دخلت الأوضة، وقفلت الباب ورايا. قعدت على طرف السرير في الضلمة، حاطة إيدي على راسي. ساعة ساعتين الصوت في الشقة هدي تمامًا، ومبقاش مسموع غير تكتكة ساعة الحيطة. الساعة كانت داخلة على تلاتة الفجر.
قمت على طراطيف صوابعي، وفتحت باب الأوضة من غير صوت. الصالة كانت كحل. ونور أوضة المكتب كان مقفول!
قربت من باب المكتب بهدوء شديد، وفتحت الباب بالراحة لقيت حسام نايم على الكنبة الجلد اللي جوة الأوضة، وراسه مايلة على جنب، وشخيره عالي من التعب. وعلى المكتب كانت محطوطة سلسلة المفاتيح بتاعته!
مشيت خطوة ورا خطوة، أنفاسي كانت محبوسة. وصلت للمكتب. مديت إيدي السليمة، وسحبت المفاتيح براحة عشان ميعملوش صوت. بصيت لتحت الدرج التحتاني على اليمين. الدرج اللي بقاله سنين مقفول، وكان دايمًا يقول لي دي أوراق تخص شغلي القديم محدش يلمسها.
حطيت المفتاح في القفل ولَف. تِك. الصوت كان خفيف، بس حسيت كأنه رعد في الهدوء ده. بصيت لحسام برعب اتقلب على جنبه التاني وكمل نوم.
سحبت الدرج بالراحة. مديت إيدي جواه مفيش ورق شغل. لقيت شنطة قماش سودة صغيرة، وتحتها ظرف بني كبير نفس الظرف اللي كان في الصورة!
فتحت الظرف كان مليان رزم فلوس خضرا دولارات! ألوفات مؤلفة متستفة فوق بعض! وتحت الفلوس، كان فيه جواز سفر مش باسم حسام، بس صورته هو عليه! ومعاه عقد جواز عرفي بتاريخ قديم باسم حسام وواحدة تانية!
وقفت متجمدة، الدم نشف في عروقي، والفلوس اللي كان بيذلني عشان 500 جنيه منها، كانت مرمية قدامي بملايين
وفجأة حسيت بإيد تقيلة متلجة نزلت على كتفي من ورا، وصوت بيهمس في ودني بفحيح قولتلك بلاش تدوري ورايا يا سمر كدة إنتي كتبتي نهايتك بإيدك!
حسيت ببرودة الموت بتمشي في ضهري. الأنفاس السخنة كانت بتلفح ودني، والإيد التقيلة نزلت بضغط مرعب على كتفي ولمست طرف الجبيرة! أطلقت صرخة مكتومة، واتلفت بسرعة وأنا بضم دراعي المكسور لصدري.
كان حسام. واقف ورايا، عينيه حمرا زي الجمر، وشعره منكوش، وابتسامة شيطانية مرسومة على شفايفه. مكنش نايم! كان صاحي ومستنيني أقع في الفخ برِجلي!
قال بصوت فحيح يخوّف كنت عارف إن الفضول هياكلك من ساعة ما رجعتي معايا البيت وإنتي عينك على الأوضة دي.
رجعت بضهري لورا لحد ما لزقت في المكتب، ولساني كان عاجز عن النطق. عيني زاغت بين الفلوس الدولارات، والباسبور، وعقد الجواز العرفي.
قلت بصوت بيترجف من الصدمة إنت إنت مين يا حسام؟! الفلوس دي كلها منين؟! والباسبور المزور ده باسم مين؟! وجواز عرفي متجوز عليا بقالك تلات سنين ومخبي؟! وأنا اللي كنت بموت عشان 500 جنيه أأكّل بيهم عيالك، تقولي مسرفة وتكسر دراعي؟!
ضحك ضحكة باردة، وقرب مني خطوة وهو بيقفل باب المكتب وراه بهدوء ال جنيه؟ لسه فاكرة ال جنيه يا سمر؟! إنتي دماغك دي جزمة قديمة! ال جنيه دول كنت برميّهملك عشان تلهي نفسك في الطماطم والبطاطس وتسيبيلي مساحتي بس إنتي طماعة وغلباوية، وحشرتي مناخيرك في اللي ملكيش فيه!
مين الست اللي كلمتني؟! ومين الراجل اللي في الصورة؟!
حسام ملامحه اتشنجت، والغضب عماه الست دي تبوظلي سنين تخطيط؟! دي شيريهان كانت شريكتي، بس حبت تلوي دراعي وتاخد نصيبي. والراجل اللي في الصورة ده الباشا والفلوس دي عهدة لعملية غسيل أموال وتسليم بضاعة قيمتها ملايين! أنا النهاردة الصبح، الساعة تمانية بالدقيقة، هكون في المطار بالباسبور ده، ومعايا شنطة الفلوس وهسيب البلد كلها باللي فيها!
الكلام نزل عليا زي الصاعقة هتهرب؟! وتسيبنا لمين؟! ولادك مالهمش ذنب!
قرب مني ومسكني من ياقتي بعنف بإيده الشمال، ورفع إيده التانية وهو بيزعق ولادك هيفضلوا هنا مع أمك! أما إنتي فمش هتطلعي من الأوضة دي حية تفضحي الدنيا ولا توصلي البوليس ليا! أنا مضحيش بكل السنين دي عشان غبائك!
في اللحظة دي، حسيت إن الرعب اتشال من قلبي، وحل مكانه غل وغضب أم اتنهشت حقوقها واتكسرت هي وعيالها. حسام مش بس راجل خاين وظالم حسام وحش كان ناوي يرمينا للتهلكة ولديابة شغله بعد ما يهرب!
وفجأة موبايلي في جيبي اهتز ورن بصوت عالي جداً! رنة الموبايل فاجئته، بص لجيبي بتوتر وقال هاتي الزفت ده!
مد إيده عشان يخطف التليفون وفي نفس الثانية، حركت رجلي بكل قوتي ودُست بكعب رجلي على مشط رجله، وبإيدي السليمة مسكت أباجورة المكتب النحاس التقيلة وخبطته بيها بكل غل في كتفه!
حسام صرخ من المفاجأة والوجع ورجع خطوتين لورا يا بنت ال!
جريت على باب المكتب، فتحته وخرجت وأنا بصرخ يووووسف! لياااان!
حسام كان ورايا زي التور الهايج، مسكني من طرحتي في الصالة وشدني للأرض. وقعت على دراعي المكسور حسيت بشرار طالع من عيني والجبيرة اتخبطت بقوة، بس صرخت وأنا بحاول أقاوم سيبني يا مجرم!
الولاد خرجوا من أوضتهم بيعيطوا بهستيريا. يوسف صرخ بابا سيب ماما! ابعد عن ماما!
حسام زعق فيه ادخل جوة يا حيوان!
وقبل ما يمد إيده عليا تاني الباب الخارجي للشقة اتهز بعنف رهيب، وصوت تخبيط كأنه هيدق الحيطة، وصوت بيهتف من برة بصوت جهوري افتح يا حسام! افتح البوليس معاك! افتح بدل ما نكسر الباب!
حسام اتصلب مكانه. وشه اصفر، وبقى لونه زي الجير. بص للباب برعب، وبصلي إنتي طلبتي البوليس؟! إمتى؟!
التليفون اللي كان واقع على الأرض جنبنا كان مفتوح على
سبيكر وصوت ست بيتكلم ببرود لأ يا حسام مش هي اللي طلبت البوليس، أنا اللي طلبتهم. أنا شيريهان. كنت عارفة إنك غدار، وحاطة جهاز تتبع في الشنطة وبلغت عن تسليم الفلوس وشحنتك، وجبتلهم تسجيلاتك عشان لو مش هكون شريكتك، تبقى نهايتك في السجن!
حسام اتجنن، جري على أوضة المكتب عشان يلحق الفلوس ويهرب من المنور، بس في لحظتها الباب الخارجي اتكسر!
قوة من مباحث الأموال العامة ورجال الشرطة اقتحموا الشقة في ثواني! اثبت مكانك! متتحركش!
حسام اتسمر وهو رافع إيديه، الدموع والذل في عينيه وهو شايف الأغلال بتتحط في إيده. الظباط دخلوا أوضة المكتب، طلعوا شنطة الدولارات، والباسبور المزور، والمستندات.
جريت وضميت يوسف وليان في حضني وأنا بنهار من البكاء بكاء مش وجع، بكاء خلاص! بكاء ولادة جديدة بعد سنين من القهر والخوف.
رئيس المباحث بصلي باحترام لما شاف الجبيرة وقال حمد الله على سلامتكم يا مدام. البلاغ كان جاي من شريكته، وموبايلك اللي اتفتح كان مسجل كل كلمة قالها من شوية كتر خيرك إنك صمدتي، ده مجرم ونصاب دولي ومطلوب في كذا قضية توظيف أموال وتهريب.
بصيت لحسام وهو متكتف بالحديد ومطأطأ راسه للأرض. مقدرش حتى يرفع عينه في عيني. راجل كان بيستقوى على واحدة ضعيفة وعياله، ويدوس عليهم عشان 500 جنيه، وهو في الحقيقة أجبن خَلق الله وأرخصهم!
مرت تلات شهور فكت الجبيرة من على دراعي. العظم التأم، والجرح اللي في قلبي بدأ يشفى.
حسام اتحكم عليه بالسجن المشدد في قضايا نصب وتزوير وغسيل أموال، ورفعت عليه قضية طلاق للضرر وخلع وكسبتها في وقت قياسي. الشقة طلعت من حقي وحق عيالي كحاضنة، ومحامي شاطر ساعدني أسترد حقوق كتير لينا قانونياً.
النهاردة نزلت السوق. الشارع كان منور، والشمس دافية. كنت ماسكة إيد يوسف في إيدي السليمة، وليان ماسكة في طرحتي بتضحك.
اشتريت الخضار، والفاكهة، وأحلى فرخة عند البياع. دفعت تمنهم من شقايا وتجارتي الصغيرة اللي بدأتها أونلاين من البيت بفلوس حلال، فيها بركة، مفيهاش ذل ولا قهر.
بصيت للشارع وأنا ببتسم من كل قلبي ال جنيه مكنتش مجرد مصروف ناقص ال جنيه كانت الحبل اللي اتشد عشان يقطع سنين الظلم، والكسر اللي في دراعي كان الوجع اللي صحاني وخلاني أقف على رجلي من تاني!

تم نسخ الرابط