ليلة وقفة العيد حكايات مني السيد
دي، بس مش في كافيه المعادي.. السهرة هتبقى في نيابة الأموال العامة وقسم التجمع!
على سنسور البصمة. وكيل النيابة بص لتقرير الإسعاف، وبص لكشف حركة الحساب البنكي، وبعدها رفع راسه لأمين الشرطة وقال اعمل ضبط وإحضار فوري للمدعو حازم كمال عبد الفتاح، والمدعوة شاهيناز عز الدين، بالتنسيق مع مباحث الأموال العامة ومباحث التجمع وقسم المعادي. الجريمة في حالة تلبس مستمر.
في نفس الوقت، في كافيه شيك جدًا على كورنيش المعادي، كانت الترابيزة محجوزة باسم شاهيناز عز الدين. شاهيناز قاعدة بفستانها الأسود ونظارتها الشمسية، وبتبتسم وهي باصة لعقود الشراكة المفروشة قدامها. حازم كان قاعد قصادها، لابس قميص جديد وبيرتشف من فنجان الإسبريسو، ومش مصدق إنه خلاص بقى شريك في مشروع مستلزمات طبية بمبالغ كبيرة، وإنه أخيرًا قدر يفرض قراراته على ندى، الست اللي كانت معيشاه في شقة التجمع وبتتحمل مسئوليات البيت.
قالت شاهيناز مضيت نسختك يا حازومي؟
رد حازم مضيت يا قلبي.. من اللحظة دي إحنا شركا في كل حاجة. والشركة هتكبر وتفتح فروع تانية، وسيبك بقى من كلام ندى دي، دي كانت بتتكلم على التليفون مش أكتر. هي فاكرة إنها تقدر توقفنا قدام الورق الرسمي والبنوك؟
شاهيناز ضحكت برقة مصطنعة ومسكت إيده بلاش سيرة الناس دي بقى، المهم دلوقتي إن الشحنة الأولى من أجهزة السونار والمناظير محجوزة في المينا، والمبلغ هيدخل بكرة الصبح لحساب الشركة المستوردة عشان نفرج عن الأجهزة وننزلها المعرض.
حازم اتنهد بارتياح وقال بالظبط كده، والخير كتير جاي.
وفجأة، ومن غير أي مقدمات، وقف عند الترابيزة تلات رجالة بملابس مدنية، ووراهم اتنين أمناء شرطة بالزي الرسمي. كبيرهم طلع الكارنيه من جيبه الداخلي وفتحه قدام حازم.
المقدم تامر، مباحث الأموال العامة. حازم كمال عبد الفتاح؟
حازم الفنجان وقع من إيده على المفرش الأبيض، وقهوة الإسبريسو غرقت العقود. أ.. أيوة.. أنا.. فيه إيه يا فندم؟ أنتوا مين؟
قال الضابط مطلوب القبض عليك أنت والأستاذة شاهيناز عز الدين، بناءً على أمر ضبط وإحضار صادر من نيابة الأموال العامة والتجمع الخامس، في القضية رقم 4821، الخاصة بالاستيلاء على أموال بالاحتيال، وغسل أموال، ومحاولة إلحاق الأذى.
شاهيناز قامت مفزوعة، والروج بتاعها اتمسح وهي بتحط إيدها على وشها. نعم؟! أنت اتجننت يا راجل؟! أنت عارف أنا مين وعيلتي مين؟! أنا دكتورة وسيدة أعمال محترمة! سرقة إيه وغسل إيه؟!
الضابط رد بهدوء الحساب اللي استقبل مبلغ مليوني و ألف جنيه النهارده الساعة 231 الضهر من حساب المواطنة ندى محمود حسنين تم التحفظ عليه بقرار رسمي من البنك المركزي المصري. وفيه بلاغ بتزوير واستغلال حالة مواطنة كانت فاقدة للوعي. اتفضلوا معانا بهدوء ومن غير شوشرة في المكان. الإجراءات جاهزة.
الناس في الكافيه كلها لفت تبص، والموبايلات بدأت تصور، والهمسات مالت المكان. حازم كان وشه مليان عرق، وركبه خبطت في بعضها، ومش قادر يقف على طوله. وبدأ يقول بتوتر يا باشا أنا معملتش حاجة! دي مراتي! دي فلوس مراتي وهي اللي حولتها بمزاجها!
الضابط مسكه بحزم وقال قول الكلام ده لوكيل النيابة.. قدامي أنت وهي.
اتحطت القيود في إيد حازم وشاهيناز، ونزلوا وسط نظرات الدهشة من كل اللي في الكافيه، واتحطوا في سيارة الشرطة اللي كانت واقفة على الكورنيش.
على الجانب التاني، فوزية كانت قاعدة في شقة التجمع، مروقة بالها، مجهزة صينية شاي بلبن وكحك العيد، وبتتصل بقرايبها في التليفون. أيوة يا أم إبراهيم.. لا متقلقيش، العزومة اتأجلت بس عشان الواد حازم ربنا فتحها عليه وبقى شريك في شركة كبيرة للأجهزة الطبية، وبكرة عازمكم في فندق خمس نجوم. البت ندى؟ لا سيبك منها، دي قاعدة في المستشفى وبتاخد وقتها في العلاج، وخلاص أيامها في البيت ده بقت معدودة، البيت ده هيتكتب باسم ابني خلاص!
وهي لسة بتقفل المكالمة، جرس الباب رن بقوة، وخبطات متتالية خلت فوزية تنتفض من مكانها. إيه قلة الذوق دي! مين اللي بيخبط كده في العيد؟! فتحت الباب وهي متضايقة، لكنها اتصدمت لما شافت قدامها اتنين أمناء شرطة، ووراهم صاحب العمارة اللي مأجر الشقة، وجنبهم المعلم بيومي وعدد من الصنايعية من ورشة المناصرة واقفين بعربيات نقل صغيرة. فوزية رجعت خطوة لورا وهي مخضوضة. فيه إيه؟! أنتوا مين وداخلين كده إزاي؟! صاحب العمارة طلع عقد الإيجار من جيبه وقال بنبرة حاسمة الست ندى صاحبة العقد الأصلي لغت العقد رسمي وفسخته النهارده ودفعت الشرط الجزائي، ومعاها أمر تمكين بتسليم الشقة فورًا للمالك. وقدامك ساعتين تلمي هدومك الشخصية وتفضي الشقة دي خالص.
فوزية صوتها ارتفع من الصدمة. شقة إيه اللي تتفضى يا مجانين؟! دي شقة ابني حازم بيه! أنتوا بتتبلوا علينا ولا إيه؟!
المعلم بيومي قرب منها وبصلها بجدية. حازم بيه بتاعك دلوقتي في حجز التجمع الخامس، مع شاهيناز، بسبب القضية اللي اتفتحت عليهم. والرجالة هنا جايين يفضوا العفش اللي ندى شرياه بفلوسها من المناصرة. مفيش حاجة في الشقة دي تخصك أو تخص ابنك من غير حق قانوني. اطلعي بهدومك اللي عليكي بدل ما الإجراءات الرسمية تكمل ضدك بسبب تحريضك على الاستيلاء على فلوس الست ندى، اللي كنتي بتعايريها بسبب شغلها.
فوزية ركبها سابت، ووقعت على الأرض في الصالة. وفي اللحظة دي، شريط طويل من اللي عملته في ندى عدى قدام عينيها؛ كل كلمة قالتها، وكل مرة حاولت تقلل منها، وكل مرة صدقت إن الأمور هتفضل في صف ابنها. لكن لأول مرة، فهمت إن كل حاجة اتبنت على استغلال وظلم ممكن تنهار في لحظة واحدة. وفوق كل ده، كانت عارفة إن اللي حصل لحازم وشاهيناز مش نهاية الحكاية. لأن ندى، اللي كانوا فاكرين إنها ضعيفة ومش قادرة تدافع عن نفسها، كانت بدأت تستعيد حقها خطوة بخطوة. والحقيقة اللي ظهرت في الأوراق والبنك والتحقيقات كانت لسه مخبية مفاجآت أكتر.
ركوع ندى في المطبخ ووجعها، وإهانتها ليها، والمنديل المبلول اللي مسحت بيه صباعها، والكبر والغرور والافتراء على ست مظلومة وشقيانة. لقت نفسها بتلم حاجاتها في كيس بلاستيك أسود، والشارع كله واقف يتفرج عليها وهي بتخرج مكسورة العين، تركب ميكروباص راجعة لبيتها القديم المتهالك في أطراف الجيزة، بعد ما كانت بتتباهى بشقة التجمع وعفش التجمع!
في سرايا النيابة، كانت المواجهة حاسمة. دخلت أنا والأستاذ عصام، ولقيت حازم قاعد على الأرض جنب الحيطة، هدومه متبهدلة ووشه باين عليه التعب، وشاهيناز بتعيط وبتتكلم بسرعة قدام وكيل النيابة. قالت والله العظيم هو اللي قالي إن الفلوس دي فلوسه وإنه داخل شريك بيها! أنا ماليش دعوة يا بيه! أنا هتنازل عن كل مليم، والفلوس ترجع لحسابها بالكامل فورًا، بس خرجوني من القضية دي. مستقبلي هيضيع وسمعة عيلتي هتتأثر!
حازم أول ما شافني، قرب من وكيل النيابة، وحاول يتكلم معايا ودموعه مغرقة وشه. ندى.. أرجوكي سامحيني! أنا غلطت، وأمي هي اللي شجعتني وقالتلي خليهم في إيدك! فكري في بنتنا، هتربيها وأبوها بعيد عنها؟! اتنازلي عن المحضر وأنا هطلقك وهسيبلك كل حاجة ومش هتشوفي وشي تاني!
بصيتله من فوق لتحت. مكنش فيه جوايا أي ذرة شفقة ولا حتى غضب..
كان فيه راحة، راحة الست اللي ربنا نصرها ورجعلها حقها كامل في أقل من 24 ساعة. قلت له بنتي هتكبر وتعرف إن أبوها أخطأ، وإن أمها قدرت تقف على رجلها وتحميها. الفلوس هترجع بالقانون وبالأمر القضائي، مش بجميل منك ولا منها.
وكيل النيابة خبط بالقلم على المكتب وقال يُحبس المتهم حازم كمال عبد الفتاح أربعة أيام على ذمة التحقيق، وتُجدد في الميعاد، مع مراعاة إحالته لمحكمة الجنايات في الاتهامات المنسوبة إليه، والمتعلقة بالاستيلاء على أموال بطرق احتيالية والتسبب في أذى للمجني عليها. والمتهمة الثانية شاهيناز عز الدين يُخلى سبيلها بكفالة مالية قدرها 200 ألف جنيه، مع استمرار تجميد حساباتها لحين استرداد كامل المبلغ، ووضعها على قوائم الممنوعين من السفر.
صوت القيود وهي بتتقفل على إيد حازم تاني كان من أقوى الأصوات اللي سمعتها في حياتي. صوت العدل لما ياخد مجراه، وصوت الإنصاف لما يوصل للمظلوم وهو في أضعف حالاته.
مرت ست شهور. كنت واقفة في شارع المعز في المناصرة، والشمس طالعة بتنور لافتة رخام ضخمة اتعلقت على واجهة مبنى كامل من تلات أدوار مؤسسة ندى للديكور والمفروشات وتجهيز الفنادق. المخزن القديم اللي كنت بحلم بيه مكنش بس مخزن، بقى مشروع كبير بيشتغل فيه أكتر من 40 صانع ومهندس ديكور.
الفلوس رجعتلي بالكامل من البنك بعد حكم قضائي نهائي، وأخدت حكم طلاق للضرر مع كامل حقوقي ونفقة بنتي مريم، اللي كانت بتكبر وضحكتها بتملى عليا الدنيا. حازم أخد حكم بالسجن ثلاث سنين، وخسر وظيفته في المستشفى، وبقى بعيد عن حياته القديمة. وفوزية اتأثرت نفسيًا وصحيًا من الصدمة والفضايح اللي حصلت، وبقت قاعدة في أوضة ضيقة، تفتكر كل حاجة حصلت وكل كلمة قالتها ليا.
شيلت مريم على كتفي، وبصيت للمكن اللي شغال جوة الورشة، ولريحة القماش والجلد والخشب اللي عمرها ما كانت ريحة وحشة. دي كانت ريحة الشرف، ريحة الشقا الحلال اللي بيعيّش أصحابه في عز، وريحة العرق اللي ربنا بارك فيه عشان يبني بيوت ويحقق أحلام أصحابها. بصيت للسما وابتسمت من كل قلبي وقلت الحمد لله.. يمهل ولا يهمل، والحق اللي وراه مطالب عمره ما يضيع.
تمت