ليلة وقفة العيد حكايات مني السيد
حكايات مني السيد . حصري
في ليلة وقفة العيد، مية الجنين نزلت مني وأنا واقفة قدام البوتاجاز، وجوزي سابني مرمية على الأرض.. وفي الوقت اللي كان الإسعاف جاي فيه، شفت بعيني السرقة اللي هتكون سبب نهايتهم وخراب بيوتهم.
الوجع طَبّ عليا وقسّمني نصين وأنا موطية على حلة الأكل، في اللحظة دي بالظبط حماتي خطفت التليفون من إيدي ورزعته في الصالة.
هنا مفيش مستشفيات ولا حركة غير لما اكل العزومة يخلص! قرايبي والمعازيم جايين بعد ساعتين.
حسيت بحاجة سخنة بتجري على رجلي.. مكنش عرق، كانت مية الولادة بتنزل.
أرجوكي.. اطلبي الإسعاف، أنا بولد، مش قادرة أتنفس!
من جوة الطرقة، جوزي حازم مد راسه وهو ماسك دراع البلايستيشن في إيده وقال ببرود أمي أدرى بالحاجات دي.. وبطلي دراما وشغل نسوان في ليلة العيد!
ورزع الباب في وشي.
كنت بقالي أسابيع بتحايل عليهم برجاء واحد بلاش السنة دي عزومة ل 24 فرد. أنا في نص التاسع، رجلي وارمة زي العجين، والطلق شغال معايا من الفجر. بس حماتي، فوزية، كانت عازمة شلّتها وقرايبها من البلد عشان تتمنظر بالشقة اللي في التجمع.. الشقة اللي للمفارقة، أنا اللي دافعة إيجارها ومصاريفها من الألف للياء!
البيت ده مش حازم اللي جابه.. أنا اللي مأجراه ومفرشاه بقرشي وتعبي من ورشة التنجيد والمفروشات والستاير بتاعتي في المناصرة والرويعي. بدأت من سنين بماكينة خياطة سنجر قديمة ورثتها عن أبويا الله يرحمه، ومن شقايا بقى عندي ورشة فيها 9 صنايعية، وعقود مع مطاعم وكافيهات، وكنت مجمّعة قرشين حلوين عشان أشتري مخزن ملكي وأوسع الشغل.
أما حازم، فكان طول عمره بيتنطط من شغلانة لشغلانة ومن قعدة قهوة للتانية، لحد ما أنا توسطت له وشغلته موظف إداري في مستشفى استثماري خاصة. وفوزية عمرها ما اعترفت بجميلي، بالعكس ورشتك دي مهما كبرت، هتفضلي برضه ريحتك غِرا وقماش! إنما ابني حازم بيه بيتعامل مع دكاترة وبشوات! كانت بتقولها قدام الغريب والقريب عشان تكسر مقاديفي.
من صباحية ربنا في وقفة العيد، نزلتني السوق لوحدي.. شيلت خضار، ولحمة، وفراخ، وكل طلبات الفتة، والرقاق، والمحاشي والحلويات. راجل بياع في السوق شافني ساندة على بطني وبتألم، قالي يا بنتي أنتي شايلة كل ده في بطنك ومش قادرة تمشي! أومال فين المحروس جوزك؟
نايم في التكييف.
الراجل هز راسه بحسرة وساعدني أرفع الشنط في التاكسي. وأول ما دخلت الشقة، فوزية مكلفتش خاطرها حتى تقوم من على الكنبة حمد الله على السلامة يا ختي، إتأخرتي ليه؟ البسي المريلة وخشي ع المطبخ ورينا همتك!
فضلت واقفة أطبخ بالساعات. الوجع بيزيد ويقطع في ضهري، وهي قاعدة تفرز في الصواني وتزعق لسة معملتيش الجلاش! ورينا عمايل إيدك!. وحازم يخرج يجيب إزازة بيبسي ويرجع يقفل على نفسه. الساعة كانت جات اتنين الضهر، خلاص، السكينة وقعت من إيدي ومش قادرة أصلب طولي حازم.. وديني المستشفى، بموت!
اصبري شوية! أمي بتقول لسة بدري وبتدلعي.
أمك مش جوا بطني وبتحس باللي بحس بيه!
فوزية قامت زي القضا المستعجل، وشها محتقن بالغل لمي لسانك ومتعليش صوتك! أنا مخلفة تلاتة على إيدي وما عملتش الشويتين دول!
جيت أمسك التليفون أطلب 123 الإسعاف، شدته مني ورزعته في الأرض. ولما مية الجنين غرقت هدومي والأرض، بصت بقرف وقالت شوفي العفشة بهدلت السيراميك إزاي!
الطلقة اللي بعدها رمتني على ركبي، صرخت بعلو صوتي وناديت على جوزي يستنجد بيا.. ولا مخلوق اتهز. آخر حاجة فاكراها قبل ما يغمى عليا، كانت خدي الساقط على بلاط المطبخ الساقع، وفكرة واحدة حرقت قلبي إن بنتي اللي في بطني هتروح مني عشان شوية معازيم وعزومة.
معرفش غبت عن الوعي قد إيه.. فقت على صوت سارينة الإسعاف جاية من بعيد في الشارع، وعلى وجع شديد وضغطة غشيمة في صباع إيدي اليمين. فتحت عيني مواربة من غير ما يحسوا. حازم كان راكع جنبي على ركبته.. مكنش بيحاول يفوقني، ولا كان قلقان عليا. كان ماسك إبهامي بالعافية وبيحطه على شاشة التليفون. فوزية كانت واقفة فوق راسه وبتهسس بصوت واطي امسح صباعها كويس بمنديل يا غبي! صباعها مليان زيت مش هيلقط!
عارف يا ماما، تطبيق البنك مش راضي يقرا البصمة عشان مدهن!
حسيت بمنديل مبلول بيتمسح بيه صباعي، وبعدها حازم ضغط بقوة بصباعي على سنسور البصمة في الموبايل. تِك.. التليفون فتح.
دخل خلاص!
قلبي دق زي الطبول وكان هيخرج من بين ضلوعي. حازم فتح أبلكيشن البنك بتاعي.. الحساب اللي أنا حافظة رقمه بالمليم 2 مليون و 300 ألف جنيه، شقا عمري وسنين تضييع صحتي اللي كنت مجمعاهم عشان اشتري المخزن بتاع المناصرة وأكبّر ورشتي.
اخلص حولهم بسرعة قبل ما بتوع الإسعاف يكسروا الباب! فوزية كانت بتستعجله بلهفة مسعورة.
حازم كتب المبلغ كله 2300000 جنيه، وحوّلهم لحساب واحدة اسمها شاهيناز عز الدين.. مندوبة شركة المستلزمات الطبية اللي بتورد أجهزة للمستشفى اللي هو شغال فيها. نفس الواحدة اللي شفتها من شهر بتتمايص معاه في كافيه جنب شغله وكان باصصلها بإعجاب مقرف! حازم اتنهد بارتياح وقال تمام كده.. كده مقدم الشراكة والعيادة الجديدة اندفع خلاص.
فوزية ضحكت بلؤم وشماتة القرشين دول حق شقا ابني أصلًا ومن خيره، متعملش هي علينا فيها سيدة أعمال وبنت أكابر!
الباب خبط برزع شديد إسعاف! افتحوا بسرعة!
حازم في ثانية مسح إشعار التحويل من الشاشة، ودس التليفون في جيب مريلة المطبخ اللي كنت لابساها، وخلال خمس ثواني وشه اتقلب 180 درجة ومثل دور الزوج المنهار حبيبتي! فوقي يا نور عيني! متسبنيش ونبي!
وفوزية فتحت الباب وهي بتولول وتلطم على وشها بتمثيل رخيص. لما المسعفين دخلوا وشالوني على النقالة، لمحت كارت واقع من جيب بدلة حازم على الأرض شاهيناز عز الدين للأجهزة والمستلزمات الطبية.
في اللحظة دي.. وأنا طالعة في نقالة الإسعاف بين الحياة والموت، فهمت حاجة واحدة الإسعاف مكنش جاي بس عشان ينقذ بنتي من بين إيديهم.. الإسعاف ده كان طوق نجاة ربنا باعتهولي، عشان أعيش، وأردلهم الصاع صاعين، وأسوّد عيشتهم واحد واحد!
طول الطريق في عربية الإسعاف، سارينة الإنذار كانت بتصرخ كأنها بتصرخ بالوجع اللي جوايا. الأكسجين محطوط على وشي، والمسعف بيحاول يثبت الكانيولا في إيدي اللي كانت بتترعش من البرد والرعب. كنت سامعة نبضات بنتي على الجهاز.. سريعة ومكتومة، كأنها بتستغيث وتقولي اتمسكي بيا يا ماما. حازم كان راكب قدام جنب السواق، ووشه في المراية باين فيه التوتر، مش عليا ولا على بنته، لأ.. عينه كانت رايحة جاية على تليفونه، بيطمن إن الفلوس وصلت للست هانم بتاعته، وإن الرسائل ممسوحة ومفيش أي أثر لجريمته.
أول ما نقالة الإسعاف دخلت طوارئ مستشفى النساء والتوليد الحكومي، الدنيا اتقلبت حالة ولادة متعسرة، انفصال جزئي في المشيمة، جهزوا العمليات حالاً لقيصرية طارئة! حازم جه يمثل دور الزوج المحروق قلبه قدام الدكاترة والتمريض، مسك إيدي وعينه بتلمع بدموع تماسيح رخيصة حبيبتي متخافيش.. قوميلي أنتي والبنت بالسلامة، الدنيا ملهاش طعم من غيرك! بصيت في عينه وأنا بنهج، ولساني تقيل من البنج اللي بدأ يسري في عروقي، ضغطت على إيده ضغطة خفيفة ومردتش بكلمة.. بس نظرتي كانت كافية