جدتي للكاتبة زهرة الربيع
جدتي كانت بتفضل خلفة الولاد وطول عمرها بتكرهني أنا وبنات عمي، ولما حست أنها هتموت جمعتنا وأصرت تأكلنا من إيديها، الكل سامحها وقعد إلا أنا أخدت شنطتي ومشيت، وقبل ما أوصل جاتلي مكالمة من أمي وهي بتعيط وبتقول الحمد لله انك مشيتي يا بنتي!.
لو هنختار أكتر بني آدمة على وش الأرض بتحب الولاد، فبدون شك هي جدتي. كرهها للبنات ورغبتها في الولد كانت واصلة لحد المرض والوسواس. بس الشيء الغريب.. إن ربنا كأنه كان بيختبرها! عمي الكبير، وأبويا، وعمي الصغير.. التلاتة إخوات، ولا واحد فيهم عرف يجيب ولد! عمي الكبير خلف بنت واحدة اسمها وفاء، وأبويا مفيش غيري خلود، وعمي الصغير جاب بنتين داليا وشهد. أربع بنات.. ومفيش ولد واحد يشيل اسم العيلة!
عشان كده، من صغرنا وإحنا بنسمع جملة واحدة جدتي بتكررها زي النشيد المعتاد أكيد العيلة فيها حاجة غلط!، تلات رجالة مش عارفين يجيبوا لي حتة ولد يشيل اسمنا؟!، خلفة بنات.. بكره يروحوا للغريب وياكلوا خيرنا!. كل موسم ولا عيد متخليش ولادها يودونا عيدية زي باقي العيال وتقول البنات رايحين لبيوت جوزهم... اللي يديهم فلوس كأنه بيرمي في بحر!.
وحتى الأكل العفش كان كده.. لما يطبخوا لحمة، تنادي على عمي وأبويا وعمي الصغير يقعدوا على الترابيزة ياكلوا، وإحنا الأربعة نقعد بره على باب المطبخ، كل واحدة في إيدها حتة عيش حاف. لما كان عندي سبع سنين، ريحة اللحمة جننتني. أول ما جدتي أدت ضهرها، تسحبت براحة ومسكت حتة لحمة من الطبق.. وقبل ما توصل لبقي، لقيت العصايا نازلة على ظهر إيدي بجلدة مرعبة! اللحمة وقعت في الأرض.. أنا صرخت وعيطت من الوجع. وهي ولا اهتمت.. شاورت بصبعها في وشي وزعقت يا بت يا حرامية الأكل! بتسرقي اللحمة؟!. إيدي فضلت زرقاء وورمانة تلات أيام. ومن يومها أي أكل من إيدها حرمت ألمسه.
عشان كده.. لما أبويا كلمني بعد أكتر من عشرين سنة ويقولي إن جدتي في أنفاسها الأخيرة وطالبة تشوف البنات الأربعة للمرة الأخيرة.. أول إحساس جالي ما كانش حزن ولا شفقة.. كان خوف وشك. سألت أبويا باستغراب هي جدتي عاوزة تشوفني أنا بالذات؟. أبويا سكت شوية وتنهد أيوه يا خلود.. قالت عاوزة تشوفكم الأربعة قبل ما تفارق. قلت له وأنا مش مستوعبة مش دي اللي كانت بتقول شوفتنا بتقصر عمرها؟ إيه اللي اتغير دلوقتي؟. أبويا حس بترددي فقال لي بقلة حيلة يا خلود.. عارف إن القديم لسه معلم فيكي، بس الست بتموت.. تعالي شوفيها نظرة أخيرة وخلاص عشان خاطر ربنا. في الآخر اضطريت أستأذن من شغلي وأخدت القطر ونزلت البلد.
أول ما دخلت البيت القديم، لقيت القرايب كلهم ملمومين. عمي الكبير، عمي الصغير، أبويا وأمي.. وبنات عمي وفاء، وداليا، وشهد كانوا وصلوا قبلي. جدتي كانت نايمة على السرير في الصالة الكبيرة. كانت خسيت أوي عن آخر مرة شفتها.. وشها أصفر، وخدودها داخلة لجوه، وشعرها الأبيض منكوش على المخدة، ونفسها طالع بالعافية. بس أول ما لمحتنا إحنا الأربعة واقفين، حاولت تسند إيدها وتقعد بطلوع الروح جيتوا كلكم؟.. تعالوا.. تقربوا اقعدوا جنبي.
وما حدش فينا كان متوقع الكلام اللي قالته بعد كده زمان.. أنا ظلمتكم كتير يا بناتي. الصالة كلها سكتت. أنا فضلت واقفة مكاني في لحظات شكيت في وداني.. جدتي بتعتذر؟! الست اللي عمرها ما قالت كلمة عدلة في حقنا، جاية بتبكي وتطلب السماح؟! دموعها نزلت على وشها وقالت أنا عشت عمري كله مخي مقفول.. كنت فاكرة إن العيلة هتنتهي لو مفيش ولد.. وكان قلبي بيتعصر كل ما أشوفكم. بس وأنا نايمة هنا الفترات اللي فاتت، فكرت كتير.. ما أنتُم برضه من دمي.. أنا اللي كنت عاصية وظالمة.
داليا بدأت تمسح دموعها.. وشهد دورت وشها وهي بتعيط.. وحتى وفاء الكبيرة وشها أثر فيه الكلام. أنا بس اللي فضلت باصة لها بجمود. مش عارفة ليه، كل ما كانت بتتكلم، كل ما كان قلبي بيقبض والإحساس بالخطر بيزيد جوه! وفجأة.. جدتي زقت الغطاء وقامت! عمي الكبير اتخض يا أمي رايحة فين بس؟! أنتِ تعبانة!. شالت إيده بتعب وقالت أنا مش فاضل لي كتير.. قبل ما أقابل ربنا، عاوزة أعمل لكم أكلة حواوشي بإيدي زي زمان وأحطلكم فيه لحمة من اللي حرمتكم منها. عمي قال لها يا أمي أنتِ حيلك مهدود، حواوشي إيه بس؟!. قالت وهي بتهز رأسها بإصرار لازم أعملهم عشان أستريح. وقامت بتتسند على العكاز ورايحة على المطبخ بخطوات بطيئة.
داليا وشهد جريوا عليها بدموع يا ستي خلاص إحنا مش زعلانين منك والله!، ارتاحي أنتِ وإحنا هنعمل العجين والتتبيلة!، ووفاء قامت عشان تجهز الفرن. الثلاثة اشتغلوا معاها.. وأنا واقفة في نص الصالة، بصيت على ضهرها المحني وهي داخلة المطبخ.. وفكرت في جملة واحدة مش صح.. اللي بيحصل ده مش طبيعي! ست عاشت عمرها كله شايفانا بلا قيمة، وكانت تستخسر فينا حتى نص رغيف حاف.. ليه فجأة وقبل ما تموت بساعات، تصر وتحفى عشان تأكلنا من إيدها؟! كل ما أفكر في الموضوع، أحس إن فيه حاجة غلط.. حاجة مرعبة. وفي الآخر، ووسط تلميحات العيلة واتهاماتهم ليا بإني قاسية، سحبت شنطتي ومشيّت من البلد في نفس اليوم العصر.
على بال الليل، وأول ما نزلت من القطر السريع، موبايلي نور.. عشرات المكالمات! وجروب العيلة فيه أكتر من تسعين رسالة غير مقروءة! وفجأة.. لقيت مكالمة أمي جاية لي. صوتها كان بيرتعش لدرجة إنه طالع بالعافية يا خلود... الحمد لله إنك ما أكلتيش! أنتِ مش متخيلة ستك كانت ناويه تعمل إيه... فتحت فيديو لسه نازل حالا على جروب العيلة. وبس مجرد ما لمحت أول كام ثانية.. جسمي كله اتجمد من الذهول!
الفيديو بدأ بصورة المطبخ القديم في بيت جدتي. الصورة كانت مهزوزة شوية وكأن اللي بيصور مستخبي ومش عايز حد ياخد باله منه. سمعت صوت جدتي وهي بتتكلم مع وفاء وداليا وشهد. كانت واقفة قدام الرخامة وبتعجن اللحمة بإيديها. صوتها كان ضعيف ومبحوح بس الكلام كان واضح. قالت حطوا اللحمة دي كلها في الحواوشي... ما توفرواش فيها. وفاء ضحكت وقالت يا ستي إحنا كنا زمان بنموت على حتة لحمة منك وإنتِ كنتي بتستخسري فينا حتى ريحتها. جدتي سكتت لحظة. وبعدين قالت عشان كده أنا مجهزة حاجة تانية.
الصورة قربت أكتر. جدتي فتحت درج صغير تحت الرخامة. طلعت منه كيس أبيض مربوط كويس. حطته على الترابيزة. وقالت ده يتحط في الحواوشي بتاع خلود بالذات. قلبي وقع. سمعت داليا وهي بتقول ليه خلود بالذات؟. جدتي ردت بصوت منخفض عشان هي الوحيدة اللي لسه فاكرة. وفاء أستأذنت وسألتها فاكرة إيه؟. جدتي بصت ناحية باب المطبخ. وبعدين قالت فاكرة اللي حصل زمان. الفيديو وقف فجأة.
رجعنا بصينا للموبايل وأنا مش قادرة أتنفس. أمي كانت لسه على الخط. قلت لها ماما... إيه اللي في الكيس؟. سمعت صوت بكاها. قالت معرفش يا خلود. إزاي معرفيش؟. الفيديو اتصور من غير ما ستك تعرف