ابويا بني بيت حكايات صافي هاني
الكهرباء، وفواتير الطوب والرمل. المحامي قعد يقلب فيهم واحدة واحدة وبعدين قال عندكم مشكلة... فيه فرق بين إثبات إن والدكم دفع تكاليف البناء وبين إثبات الملكية القانونية الحالية. أبويا يعني ممكن البيت يضيع؟. المحامي مش بالضرورة، لكن الورقة دي مهمة جدًا لأنها بتوضح نية جدكم وقت إنشاء البيت... بس محتاجين الأصل. أبويا الأصل عند أبويا... وهو متوفي. المحامي يبقى لازم نعرف مين كانت عنده أوراقه.
رجعنا البيت وبدأنا نفتش في كل مكان صناديق قديمة، دولاب، شنط، ملفات، صور، دفاتر، حتى درج صغير في مكتب جدي، وما لقيناش حاجة. لحد ما ماما قالت استنوا... جدتك كانت دايمًا بتقول إن أبوها كان بيخبي الورق المهم في صندوق الخشب القديم فوق سطح البيت.
طلعنا السطح، فتحنا الصندوق، كان فيه ملايات قديمة، صور، هدوم، مصحف قديم، وعلبة معدنية. أبويا فتحها، جواها مفاتيح ومجموعة أوراق. مسك أول ورقة، تالتة، فجأة وقف وقال يا ساتر يا رب. قربت منه ولقى ورقة مطوية بعناية وعليها ختم قديم.
المحامي لما شافها قال إن الورقة دي أخطر من كل اللي قبلها؛ إقرار بخط يد جدي بشاهدين وأسماءهم، مكتوب فيها بوضوح إن الأرض تم شراؤها من مال أبويا، وإن الأدوار اتخصصت للسكن العائلي، وإن الدور اللي هنعيش فيه يظل لأولاد أبويا. لكن كان فيه سطر أخير وفي حالة بيع العقار أو التصرف فيه، يكون لأبنائي مجتمعين... وباقي الجملة مقطوع.
أبويا مسك الورقة وقال مين قطعها؟. ماحدش رد. المحامي فحصها وقال الورقة كانت متنية بطريقة غريبة، والجزء المفقود مش مقطوع حديثًا. أخويا مين كان معاه الورقة؟. أبويا أبويا. وسكت.
بعد يومين، حصلت مفاجأة تانية لما أخت عمي الكبير جت لنا؛ كانت بنت محترمة وقفت على الباب وقالت ممكن أدخل؟. أبويا اتفضلي. دخلت وكان واضح إنها متوترة وقالت أنا جايّة أقول لكم حاجة... بابا مش عايزني أقول، بس إنتِ هتقولي؟... أيوه. طلعت موبايلها وشغلت تسجيل صوتي؛ صوت عمي الكبير كان بيسأل عمي التاني الورقة لسه معاك؟، التاني قال أيوه، الكبير قال لازم تختفي. الصوت التاني طب لو أخويا لقاها؟، الكبير مش هيلاقيها. التسجيل وقف والبيت سكت. أبويا الورقة دي كانت عند مين؟. وقالت عند عمي التاني... سمعتهم بيتكلموا... وفي حاجة تانية، بابا كان عارف إن جدي كتب إن الأرض والبناء من فلوسك. أبويا غمض عينه ولأول مرة شفته بيبكي دمعة واحدة وقال ليه؟ ليه عملتوا كده؟. البنت نزلت دموعها وقالت يمكن عشان كل واحد كان خايف على نفسه. أبويا وأنا؟. ماعرفتش ترد.
من اليوم ده، الموضوع دخل مرحلة تانية؛ إخوات أبويا بقوا يحاولوا يتواصلوا معه خلينا نحلها ودي، إحنا إخواتك، عيب بعد العمر ده. وأبويا كان بيرد أنا مش ضدكم، فلما يقولوا يبقى سيب البيت، كان يرد بحسم لا. ولأول مرة في حياته قالها بصراحة لا.
المحامي بدأ يتحرك في الأوراق واكتشف إن الأرض أصلًا اتشترت باسم أبويا، وده كان أهم شيء. وبعدين ظهرت مفاجأة أكبر؛ البيت كان مسجل عليه أكثر من معاملة قديمة، وفيه إجراءات متوقفة. المحامي قال حد حاول قبل كده يعمل تصرف في العقار. أبويا مين؟. المحامي لسه مش عارف. بحثنا وطلع إن عمي الكبير قدم طلب من سنين مش باسم أبويا ولا باسم نفسه، لكن باسم أفراد الأسرة عشان يثبت إن العقار مملوك للعائلة كلها. أبويا مسك رأسه وقال طول السنين دي؟.
الصدمة الأكبر حصلت بعد أسبوع واحنا قاعدين في البيت وسمعنا خبط على الباب؛ فتحت ولقيته عمي التاني، بس المرة دي كان ماسك كيس بلاستيك أسود، دخل وحطه قدام أبويا وقال أنا تعبت من الخلاف ده. أبويا من إيه؟. وعنت عايز إيه؟. فتح الكيس وطلع أوراق وقال دي الورقة اللي بتدور عليها. أبويا بص له ليه جبتها؟. عشان مش قادر أكمل. إنت كنت مخبيها؟. أيوه. ليه؟. عمي نزل عينه عشان أخويا الكبير قال لي أخبيها. والجزء الناقص؟. أخرج قطعة ورق صغيرة في ظرف وقال دي.
أبويا أخدها وحطها جنب الورقة، وكانت الجملة بتكمل وفي حالة بيع العقار أو التصرف فيه، يكون لأبنائي مجتمعين حق الرجوع في أصل الأرض، ولا يجوز لأي منهم الاستئثار به دون موافقة الآخر، مع بقاء الدور الثالث مخصصًا لأولاد ابني.... أبويا سكت والمحامي قرأها وقال كده الصورة أوضح. عمي أنا آسف. أبويا آسف على إيه؟. على كل حاجة. أبويا إنت عارف إيه اللي وجعني؟... مش إنك خدت دور، ولا إنك عشت فيه، ولا حتى إنك اختلفت معايا... اللي وجعني إنك خليت أولادي يعيشوا بالشكل ده وإنت شايف. عمي دمعت عينه وقال عارف. أبويا لأ، إنت ما تعرفش... السقف ده أنا استنيته ٢٣ سنة. عمي وأنا هصلحه. أبويا مش عايز منك فلوس... عايز حق أولادي.
بعدها حصل اجتماع كبير جمع أبويا إخواته والمحامي، ولأول مرة من ٢٣ سنة كل الكلام اتطرح على الترابيزة. المحامي قال الاتفاق القديم كان شفهي، لكن عندنا مستندات وإيصالات وشهادة وقرائن، والمطلوب إن كل طرف يحدد موقفه. عمي الكبير قال أنا عايز حقي في الدور الأول. أبويا خد حقك. عمي التاني وأنا الدور التاني. أبويا خد حقك. المحامي والدور الثالث؟. أبويا لأولادي.
سكتوا، وعمي الكبير قال موافق... أنا غلطت. والتاني قال وأنا موافق. المحامي وفيه كمان موضوع الأرض والأجزاء المشتركة. أبويا تتعمل قسمة واضحة. وهنا اتفقوا؛ مش لأن كل المشاكل اختفت، لكن لأن الحقيقة أخيرًا ظهرت.
بعد أيام، بدأنا إجراءات تقنين الوضع. ولأول مرة في حياتي دخلت مكان كنت عايشة فيه ٢٣ سنة وأنا حاسة إنه فعلًا بيتنا؛ مش بيت حد تاني، ومش شقة مستخبيين فيها من المطر، بيتنا. بدأنا نركب الشبابيك، باب جديد، دهان، سيراميك، وأول حاجة أصريت عليها كانت الحمام بباب. أخويا ضحك وقال دي أهم حاجة عندك؟، قلت آه، وضكحنا كلنا. لكن وأنا واقفة قدام الحمام الجديد، افتكرت الستارة القديمة، الشتاء، الميه، الكتب، والليالي اللي كنا بننام فيها خايفين من المطر، وبكيت. ماما حضنتني وقالت خلاص يا بنتي. قلت أنا مش بعيط عشان اللي فات... أنا بعيط عشان إحنا أخيرًا وصلنا.
بعد شهرين، اتعملت الأوراق الرسمية اللي بتثبت نصيب كل طرف، والدور الثالث اتحدد لنا، وأبويا احتفظ بالأصول في خزنة وقال محدش يكرر غلطتي.
لكن القصة ما انتهتش هنا؛ في يوم وأنا بنضف المخزن لقيت صندوق قديم فتحته، لقيت صورة لجدي وخلفها مكتوب بخط إيده لو اختلف أولادي يومًا، افتكرت إن البيت اتبنى عشان يجمعكم، مش عشان يفرقكم. رحت لأبويا وناولته الرسالة، قرأها وفضل ساكت وبعدين قال أبويا كان فاهم... بس يمكن ربنا كان عايزنا نتعلم بالطريقة الصعبة.
بعدها بأيام، عمي الكبير اتصل بأبويا وقال له تعالى نتغدى سوا. أبويا استغرب لكن راح، ورجع بعد كام ساعة هادي. سألته حصل إيه؟، ابتسم وقال اتصالحنا... أخويا قال لي إنه كل ما يدخل الدور بتاعه بيحس بالذنب عشان كان عارف إن أولاد أخوه عايشين فوق في الوضع ده، وأنا قلت له إن الذنب مش
هيرجع السنين، بس نعيش اللي باقي بالصح.
من يومها، بقت العيلة مختلفة؛ مش مثالية، لسه فيه خلافات وزعل ومناسبات حد بييجي وحد ماييجيش، لكن الحقوق بقت مكتوبة، والكلام بقى واضح، ومحدش بقى يقدر يقول أنا فاكر إن الاتفاق كذا.
وفي أول شتاء بعد اكتمال البيت، حصلت أغزر مطرة في السنة. صحيت على صوت المطر، ولثواني جسمي اتشد تلقائيًا وافتكرت الجردل والكتب والهدوم. قمت بسرعة دخلت الصالة ووقفت تحت السقف وبصيت لفوق؛ ولا نقطة، ولا تسريب، ولا طينة، ولا خوف.
سمعت صوت أبويا من ورايا بتعملي إيه؟. لفيت وقلت ولا حاجة... لسه بتخافي من المطر؟. ضحكت وقلت يمكن... بس المطر مبقاش يخوفنا، دلوقتي المطر هو اللي بيفكرنا قد إيه استنينا اليوم ده. ابتسم ومشي. وأنا فضلت واقفة لحد ما سمعت صوت أختي من الأوضة يا جماعة حد شاف الكراسة بتاعتي؟، أخويا رد تحت الكنبة، الصغير مين خد الشاحن؟، وماما نادت حد ينزل يجيب عيش، وأبويا من آخر الصالة قال محدش يخرج دلوقتي المطر شديد.
ابتسمت، ولأول مرة فهمت إن صوت الخناقات الصغيرة دي كان أحلى صوت في الدنيا، لأنها كانت أصوات بيت بجد مش مجرد أربع حيطان. وبعد ٢٣ سنة من الانتظار، أخيرًا بقى عندنا سقف.
لكن الحقيقة إن السقف ماكانش أهم حاجة رجعت لنا؛ أهم حاجة رجعت لنا كانت إحساسنا إننا مش ضيوف في المكان اللي اتربينا فيه، وإن التعب اللي دفعه أبويا سنين ما راحش هدر، وإن الحق ممكن يتأخر أو يتدفن أو ناس تحاول تخبيه، لكن طول ما فيه حد متمسك بيه، بيفضل له طريق يرجع.
وفي آخر يوم من السنة، أبويا وقف في البلكونة الجديدة بص للبيت كله وقال لنا أنا عملت البيت ده عشانكم... بس اتعلمت متأخر إن البيت من غير حق واضح ممكن يتحول من أمان لخوف... اوعوا لو في يوم اختلفتوا تعملوا زيي... ما تستنوش ٢٣ سنة. ضحكنا كلنا وضمتنا ماما.
وبره كانت السما بتمطر على السقف المسلح من غير ما يدخل نقطة واحدة. ساعتها بصيت لأبويا وقلت أخيرًا يا بابا. ابتسم وقال أيوه يا بنتي... أخيرًا.