ابويا بني بيت حكايات صافي هاني
المحتويات
دي مش أصلية. عمي ابتسم وقال دي صورة من عقد قديم. أبويا بصله عقد إيه؟. عمي عقد الأرض.
سكت البيت كله، وقلت أرض إيه؟. أبويا بص لنا وقال الأرض اللي بنيت عليها البيت. عمي بالظبط. أبويا قام واقف الأرض دي أنا اللي دفعت تمنها. عمي دفعت جزء. أبويا لأ. أنا دفعت تمن الأرض كامل. المحامي تدخل وقال لو تسمحوا لي.... أبويا بص له بغضب محدش يتكلم في بيتي غير لما أفهم اللي بيحصل.
عمي قال بيتك؟ دي المشكلة يا أخويا... البيت ده مش بيتك لوحدك. أبويا قرب منه إنت فاكرني نسيت؟. عمي إحنا اللي خايفين إنك تكون إنت اللي نسيت.
أبويا رجع قعد وقال اخرجوا دلوقتي. عمي لأ، مش هنخرج قبل ما نعرف موقفنا. أبويا بص له فترة طويلة وقال موقفكم إيه؟. عمي إحنا عايزين نثبت حقنا في البيت. أبويا ضحك حقكم؟ بعد ٢٣ سنة؟ وأنا كنت ببني البيت ليه؟. عمي عشان كان اتفاق العيلة.
أبويا سكت، وأنا لأول مرة فهمت إن كلمة اتفاق ماكانتش مجرد كلام عابر؛ كان فيه شيء أكبر. أبويا بص لنا وقال فاكرين لما قلت لكم إن فيه حاجة ماحكتهاش؟ يوم ما جدي جمعنا.... وسكت، وبدأت الحكاية من ٢٣ سنة لما كان البيت لسه تحت الإنشاء.
وقتها جدي طلب أبويا وقال له يا ابني، إخواتك عايزين يتجوزوا. أبويا وأنا هساعدهم. جدي مش مساعدة وخلاص، البيت. أبويا استغرب البيت ماله؟. جدي عايزين يسكنوا فيه. أبويا وقتها رفض يا بابا، أنا باني البيت ده لأولادي. جدي وأنا عايزك تعمل حاجه لإخواتك. أبويا أنا هساعدهم في الجواز، لكن البيت لأ.
جدتي تدخلت وقالت يا ابني، إخواتك دول لحمك ودمك، وإنت ربنا موسعها عليك. وكانت دي الجملة اللي بتوجع أبويا طول عمره، لأن الحقيقة إن ربنا كان موسعها عليه في التعب بس؛ كان بيشتغل شغلانتين، وبياخد معاشه، وبيحوش، وعنده خمس أولاد ومصاريف، وماكانش بيحب يشتكي.
جدي قال الدور الأول لأخوك الكبير، والدور التاني للتاني، وإنت وأولادك الدور التالت. أبويا بس البيت كله أنا اللي دافع تمنه. جدي وهنعمل ورقة. أبويا إمتى؟. جدي لما البيت يخلص. أبويا وافق لأنه كان واثق في أبوه. وبالفعل، الأخ الكبير اتجوز وأبويا جهز له الدور الأول، والتاني اتجوز وجهز له الدور التاني، لكن لما جه وقت دورنا... بدأت المشاكل، الأرض كانت محتاجة أوراق، والبناء والتشطيب محتاجين فلوس، وأبويا استنزف كل اللي معاه، فقرر يسكننا في الدور التالت مؤقتًا وقال لما الدنيا تفرج، هكمله. لكن الدنيا ما فرجتش، والسنين جريت، وأولادي كبروا، وإخواتي استقروا، وكل مرة أبويا يسأل عن الورقة يقولوا له بعدين، لحد ما جدي توفى وكل حاجة اتغيرت.
يوم وفاة جدي، أبويا طلب الورقة، وعمي سأله أنهي ورقة؟. أبويا الورقة اللي اتفقنا عليها. عمي مفيش ورق. أبويا بابا قال إنه هيكتب. عمي بابا كان بيقول كلام كتير. ومن هنا بدأت الحكاية؛ أبويا حاول يثبت حقه، لكن مفيش عقد واضح ولا ورقة بتقول إن الدور الثالث لنا، وكل حاجة كانت مبنية على الثقة اللي لما دخلت بينها الفلوس اتكسرت.
رجعت أبص لعمي وقلت يعني طول السنين دي وإنتوا عارفين إن مفيش ورق؟. عمي إحنا كنا فاكرين إن أخويا مش هيشك فينا. أخويا رد وإنتوا شككتوا فيه أول ما احتاج بيته؟. عمي سكت.
أبويا قال بس لسه فيه حاجة. قام ودخل أوضة النوم، وبعد دقائق رجع ماسك شنطة جلد قديمة حطها على الترابيزة وفتحها وطلع منها أوراق قديمة وقال أنا كنت محتفظ بنسخة من كل حاجة. عمي وشه اتغير والمحامي قرب، أبويا قال له اتفضل.
المحامي بدأ يقلب الأوراق وقال دي إيصالات شراء مواد بناء. أبويا كلها باسمي. قلب ورقة ودي إيصالات دفع ثمن الأرض... باسمي برضه. ورقة تانية ودي تحويلات ومبالغ دفعتها على مراحل... كله باسمي. عمي قال ده يثبت إنك دفعت، مش يثبت إن إخواتك مالهمش حق. أبويا رد وأنا ماقولتش إن مالهمش حق... لو الاتفاق كان إن الدور الأول والتاني ليكم، أنا مستعد ألتزم بالاتفاق، بس الدور التالت لأولادي.
عمي سكت، والمحامي قال المشكلة إن وضع الملكية نفسه محتاج مراجعة. أبويا عشان كده أنا مستنيكم من زمان. عمي مستني إيه؟. أبويا مستني أشوف هتعملوا إيه، وأنا كنت فاكر إنكم هتفتكروا العِشرة. عمي نزل عينه.
فجأة المحامي قال فيه ورقة هنا أهم من كل ده. أبويا إيه؟. أخرج ورقة قديمة جدًا وقال دي لازم تتراجع كويس. أبويا أخدها وقرأها، وفجأة إيده بدأت ترتعش. قلت إيه اللي فيها يا بابا؟. ما ردش، وماما قالت قول.
رفع عينه وقال دي إمضاء أبويا. عمي قام بسرعة وريني. أبويا منعه لأ. المحامي لازم نعرف محتوى الورقة. أبويا قرأ بصوت مرتعش أقر أنا... بأن الأرض المقام عليها البناء تم شراؤها بالكامل من مال ابني... وأن البناء الجاري إقامته على نفقته الخاصة، وأن تخصيص الأدوار لأبنائي تم بموافقته وموافقاتهم، على أن يظل أصل الملكية....
توقف وبص لنا، قلت على أن يظل أصل الملكية إيه؟. أبويا قلب الورقة وكان آخر سطر ممسوح تقريبًا. المحامي أخدها وقربها من النور وقال فيه كلمة ناقصة، لازم نشوف الأصل أو نسخة أوضح. عمي قال الورقة دي ملهاش قيمة. المحامي بص له مين قال؟. عمي اتوتر أنا بقول. المحامي وأنا بقول إن لازم تتراجع.
أبويا مسك الورقة بقوة وقال دي كانت عند أبويا. وبص لعمي وإنت كنت عارف إنها موجودة؟. عمي ما ردش. أبويا كرر كنت عارف؟. عمي لا، لكن عينيه قالت غير كده. أبويا قرب منه بص في عيني وقول. عمي رفع عينه معرفش.
أبويا رجع قعد وقال خلاص... مفيش كلام بينا دلوقتي. المحامي جمع الأوراق وقال الأفضل إن حضرتك ما تمضيش على أي حاجة، وما تسلمش أي أصل من المستندات لأي حد، ونراجع موقف الأرض والبيت كله رسميًا. عمي وقف وقال يعني إيه؟. المحامي يعني كل واحد يثبت حقه بالأوراق. عمي بص لأبويا إنت هتعمل كده؟. أبويا أنا ما طلبتش غير حقي. عمي حتى لو ده هيقطع العيلة؟. أبويا اللي قطع العيلة مش أنا. عمي سكت ومشي، وقبل ما يخرج وقف عند الباب وقال هتندم. أبويا بهدوء أنا ندمت على سكوتي ٢٣ سنة. وقفل الباب.
بعد ما مشي، البيت كله سكت، قربت من أبويا وقلت إنت كنت عارف إن فيه ورقة؟. قال كنت عارف إن أبويا كتب حاجة. ليه ماقولتليش؟. عشان ماكنتش متأكد. وإنت هتعمل إيه؟. بص للسقف الجديد وقال هعمل اللي كان لازم أعمله من زمان. أخويا هنروح لمحامي؟. أبويا أيوه. أختي بس إحنا مش عايزين مشاكل. أبويا المشاكل موجودة من ٢٣ سنة... أنا اللي غلطت... غلطت لما صدقت إن الكلام لوحده كفاية، وغلطت لما سيبتكم تعيشوا في المكان ده كل السنين دي... كنت فاكر إن التضحية معناها أسكت، بس اتعلمت إن السكوت ساعات بيضيع حق ناس ملهاش ذنب.
تاني يوم رحنا لمحامي وحطينا قدامه كل الورق؛ إيصالات الأرض، الحديد، الأسمنت، المقاولين،
متابعة القراءة