ابويا بني بيت حكايات صافي هاني

لمحة نيوز

أبويا بنى بيت لإخواته... وإحنا ولاده دفعنا تمنه ٢٣ سنة! وفي اليوم اللي أخيرًا اتسلّح فيه السقف، اكتشفنا إن البيت اللي عشنا فيه عمرنا كله ممكن يضيع مننا!
أبويا كان معاش قوات مسلحة سنة ٢٠٠٢، وكان خدم حوالي ١٥ سنة. كان نفسه يكمل خدمته، لكن ظروفه الصحية ومشكلة في القلب خلته يطلع معاش بدري. بعد المعاش، ماقعدش في البيت، اشتغل تاني وفضل يحوش من معاشه ومن شغله لحد ما قدر يشتري قطعة أرض. الأرض كانت بفلوسه، والبناء كان بفلوسه، والتشطيب كان بفلوسه. كان بيبني البيت دور ورا دور، وهو حاطط في دماغه إن البيت ده هيكون أمان لأولاده. وقتها كان متجوز ماما، وكنا عايشين في شقة إيجار. وكان كل ما يرجع من الشغل يقول لنا استحملوا بس لما البيت يخلص... هننقل هناك ونعيش مرتاحين. وإحنا كنا بنستنى اليوم ده بفارغ الصبر.
لكن قبل ما البيت يخلص، حصلت قعدة بين أبويا وجدتي وجدي بسبب إخوات أبويا. إخواته كانوا كبروا وعايزين يتجوزوا، وجدتي كانت شايفة إن أبويا لازم يقف جنبهم وقالت له دول إخواتك يا ابني، ومفيش حد هيقف جنبهم غيرك. البيت ده في الآخر خير أبوك، وإخواتك أولى بيه.
أبويا وافق، واتفقوا إن أخوه الكبير ياخد الدور الأول، وأخوه التاني ياخد الدور التاني، والدور التالت يبقى لينا إحنا أولاده. الاتفاق كله كان بالكلام؛ مفيش عقود، ولا تنازل، ولا حتى ورقة تثبت إن كل واحد له إيه. وأبويا كان مطمن، لأنه كان شايف إن البيت أصلاً هو اللي شاري أرضه وبانيه بفلوسه، وكان فاكر إن لو احتاج البيت في يوم، محدش هيقدر يقف قدامه. بس اللي محدش كان متخيله إن السنين هتعدي، والاتفاق العرفي ده يتحول لحاجة تانية خالص.
لما جه وقت إننا نسكن في الدور التالت، كنا فاكرين إننا أخيرًا هنعيش في بيتنا، لكن أول ما دخلنا الشقة... اتصدمنا. السقف كان خشب ورماد، الحيطان طوب أحمر، الحمام ضيق بشكل يخوف ومكنش له باب أصلًا بل كانت ستارة بس، والمطبخ بالعافية يشيل التلاجة والبوتجاز، والشبابيك مكنش عليها شبابيك أصلًا وكان فيه هدوم قديمة متعلقة مكانها عشان تسترنا من الناس اللي بره، باب الشقة كان قديم ومتهالك لدرجة إن دفعة بسيطة كانت ممكن تفتحه.
ومع ذلك... عشنا هناك سنة ورا سنة، أنا وإخواتي الخمسة كنا بنحاول نتعايش مع الوضع. لكن أكتر حاجة كانت بتكسرنا هي المطر؛ أول ما السما تمطر، البيت كله كان بيتحول لفوضى، الميه تنزل من السقف، الكتب تبتل، الهدوم تتغرق، والتراب والطينة ينزلوا علينا، وكنا نقعد نحط جردل هنا وحلة هناك ننقذ أي حاجة ممكن تتنقذ. وفي نفس الوقت، كنت ببص على أولاد أعمامي في نفس البيت؛ عندهم بيوت دافية، سقف مسلح، شبابيك، أبواب، وحياة طبيعية جدًا. وأنا كل اللي كنت بحلم بيه حاجة بسيطة أوي... كنت عايزة أصحى في يوم ألاقي فوق دماغي سقف مسلح وبس؛ ماكنتش بحلم بشقة فخمة، ولا بعربية، ولا حتى بجواز، كنت عايزة سقف يحمينا من المطر.
والأغرب إننا رغم كل ده، كنا بنحاول نكمل تعليمنا ونشتغل؛ أنا خريجة صيدلة، أختي الكبيرة مدرس مساعد، أخويا ميكانيكي، أخويا التاني كان في تالتة ثانوي، وأختي الصغيرة في تالتة إعدادي. كل واحد فينا كان بيحاول يبني مستقبله، لكن البيت نفسه كان واقف مكانه. وكل ما يحصل خلاف بين أبويا وإخواته، كانوا يقولوا له نفس الجملة إنت معملتلناش حاجة... البيت ده أبوك هو اللي بناه. والجملة دي كانت بتوجع أكتر من أي خناقة، لأن أبويا كان عارف الحقيقة؛ هو اللي دفع تمن الأرض، وهو اللي بنى، وهو اللي شال الديون والمصاريف، وهو اللي ضحى بسنين من عمره عشان البيت ده يقوم. لكن إحنا كنا بنسمع الكلام ونسكت لحد ما عدت ٢٣ سنة كاملة وإحنا عايشين بنفس الوضع، لحد اليوم اللي حصلت فيه حاجة عمرنا ما كنا نتخيل إنها تحصل.
أخيرًا... السقف اتسلّح. اليوم ده كان بالنسبالي عيد، فضلت واقفة تحت السقف الجديد وببص لفوق ومش مصدقة؛ المطر ينزل بره وأنا واقفة تحته ومش خايفة، لأول مرة مش محتاجة أحط جردل، لأول مرة الكتب مش هتبوظ، ولأول مرة حسيت إننا بقينا عايشين زي باقي الناس.
لكن فرحتنا ماكملتش، لأن بعد ما العمال مشيوا، حصلت خناقة كبيرة بين أبويا وإخواته، والكلام اللي اتقال المرة دي كان أخطر من كل مرة لما واحد منهم قال لأبويا إنت بتسلّح السقف ليه؟ هو حد قال لك إن الدور ده بقى ملكك؟.
أبويا سكت، وماما حاولت تهدي الدنيا، لكن أبويا المرة دي كان وشه مختلف. رجع البيت بالليل، وقعد قدامي أنا وإخواتي، فضل ساكت شوية وبعدين قال أنا كنت ساكت ٢٣ سنة عشان ما أخربش علاقة إخواتي ببعض... بس اللي حصل النهاردة خلاني أغير رأيي. بصيت له وأنا مش فاهمة وقلت في إيه يا بابا؟. طلع نفس طويل وقال لازم تعرفوا إن البيت ده مش هو المشكلة الحقيقية... المشكلة في حاجة حصلت يوم ما اتعمل الاتفاق الأول... وأنا عمري ما حكيتها لكم.
وقتها حسيت إن فيه حاجة كبيرة مستخبية ورا السنين اللي فاتت، لكن قبل ما يكمل كلامه... خبط حد على باب الشقة. أبويا قام يفتح، وأول ما شاف الشخص اللي واقف بره، وشه اتغير تمامًا. كان عمي الكبير، بس الغريب إنه ماكانش جاي لوحده؛ كان واقف جنبه راجل غريب ماسك ملف بني كبير، وعلى وشه ملامح جدية خلتني أحس إن فيه مصيبة.
أبويا فضل ساكت ثواني وبعدين قال إنت جاي هنا ليه؟. عمي رد بمنتهى الهدوء جايين نتكلم في موضوع البيت. ماما قربت وقالت موضوع إيه بعد السنين دي كلها؟. الراجل الغريب رفع الملف وقال أنا المستشار القانوني اللي موكلني الأستاذ.... وقبل ما يكمل، أبويا قاطعه مفيش داعي للمحامي يتكلم. أنا فاهم هو جاي ليه.
دخل عمي البيت من غير ما يستأذن، بص حوالين المكان وبص للسقف الجديد، وبعدين ابتسم ابتسامة غريبة وقال أخيرًا افتكرتوا إن البيت محتاج يتظبط؟. أنا حسيت الدم غلي في عروقي وقلت البيت ده إحنا اللي عشنا فيه ٢٣ سنة وهو على حالته دي!. عمي بصلي وقال وإنتِ مالك؟. أبويا رفع إيده يمنعني من الرد وقال خلي الكلام بيني وبين أخوك.
عمي قعد على الكرسي وحط الملف على الترابيزة وقال إحنا جايين نخلص الموضوع النهاردة. أبويا قال موضوع إيه؟. فتح الملف وأخرج ورقة وقال الملكية.
ساعتها قلبي وقع. بصيت لأبويا وماما، وأخويا الكبير وقف قال ملكية إيه؟. عمي رد ملكية البيت كله. أبويا ضحك ضحكة قصيرة من غير فرحة وقال بعد ٢٣ سنة افتكرتوا الملكية؟. عمي رد لا. إحنا فاكرينها من أول يوم. أبويا مد إيده وقال هات الورق.
عمي ناوله الورقة، أبويا قرأها وشه بدأ يتغير مرة واحدة؛ قرأ السطر الأول، وبعدين السطر التاني، ورجع للسطر الأول تاني. قربت منه وقلت فيه إيه يا بابا؟. ما ردش. ماما قالت اتكلم. رفع عينه وقال الورقة

تم نسخ الرابط