الخائن الوعد ياسمين سالم
خليه على نسر المسكين اللي صدق إنك ضحية وإنك اتورطتي في شيكات ومحتاجة جواز صوري عشان تداري على فضيحتك! ردت ليلى بحذر وبرود وطي صوتك يا أحمد! مش اتفقنا منتقابلش غير لما أضمن إنه كتبلي الأسهم والأملاك وخطتنا تخلص؟ الفلوس هتوصلك، بس إياك تتهور وتبوظ كل حاجة!
في المستشفى، اجتمع الأهل حول سيلا بعد خروج نتائج الفحوصات المطمئنة. دخل عز وقال بابتسامة واسعة عندي ليكم مفاجأة... طنط نسرين وبابا جايين بكرة من السفر! غمرت الفرحة قلب سيلا، ووافقت على شروط عز بالراحة والالتزام بالعلاج، كما اشترطت على والدها سليم أن يبدأ جلسات العلاج الطبيعي ليعود للسير على قدميه مجدداً، وهو ما وافق عليه بعد إلحاح ودعم من الجميع. انتهى اليوم بعد مغادرة الجميع وإصرار عز على البقاء إلى جانبها لحمايتها، ولم يخلُ الليل من مداعباتهما اللطيفة التي أنست سيلا آلامها وأعادت إليها ابتسامتها، مع تأكيدهما على تحديد موعد الخطوبة قريباً.
في صباح اليوم التالي خرجت سيلا برفقة عائلة عز بعد إنهاء إجراءات المستشفى، ثم توجهت إلى فيلا والدها لتراه كما وعدته. كان القصر هادئاً جداً في الصباح الباكر، وأثناء مرورها قرب المطبخ، استوقفها صوت ليلى الحاد وهي تتحدث في الهاتف بغضب مكتوم أحمد! أنت اتجننت؟! يعني إيه عايز تشوفني دلوقتي في الشقة القديمة؟! هتبوظ كل اللي رتبنا له ونسر هيعرف الحقيقة! أغلق أحمد الخط بوجهها، فتمتمت ليلى بغيظ لازم أروحله حالاً وأسكته قبل ما يفضح الدنيا. شهقت سيلان وكتمت فمها بسرعة، واختبأت خلف الجدار حتى صعدت ليلى وتسللت خارج القصر متخفية برداء واسع وركبت سيارة أجرة. لم تتردد سيلا لحظة؛ قادت سيارتها بحذر وراء ليلى حتى وصلت إلى مبنى منعزل في أطراف المدينة. صعدت ليلى الشقة وتركت الباب موارباً من شدة توترها، فتسللت سيلا واقتربت بحذر، لتسمع مشادة حامية بين ليلى وأحمد أنت اتجننت؟! عايز تهدم اللي بنيناه بعد ما نسر بقى في إيدي؟! أمسك أحمد بذراعها قائلاً بوعيد متلويش دراعي، أنا الشريك الأساسي في اللعبة دي، وإما تديني نصيبي من ورق التنازلات اللي هتخليه يوقعها، يا إما نسر هتوصله كل تسجيلاتك النهاردة! تراجعت سيلا بذهول وقد اتضحت أمامها المؤامرة بالكامل، لكن قدمها اصطدمت بقطعة خشبية ملقاة على الأرض، فالتفت كلاهما نحو الباب بصدمة...
كتمت سيلان أنفاسها ووضعت يدها على فمها بسرعة، وهي تحاول التراجع بهدوء بعدما أدركت خيوط المكيدة، لكن أحمد انتبه للصوت فجأة مين هناك؟! التفتت ليلى برعب أنت سمعت حاجة؟ توجهت ليلى سريعاً نحو الباب وفتحته ونظرت في الممر، لكنها لم تجد أحداً؛ فقد اختبأت سيلان بمهارة خلف باب جانبي وهي تحبس أنفاسها بصعوبة بالغة. أغلقت ليلى الباب وعادت إلى الداخل متوترة مفيش حد، يمكن بيتهيألك. قال أحمد بحدة وشك لو حد سمعنا يبقى كل الشغل اللي عملناه في العقود وتزوير الشيكات راح في داهية! ردت ليلى بعصبية عشان كدا قولتلك متطلبش تقابلني هنا ولا تتصل كل شوية! وأنتِ عايزاني أفضل ساكت بعد ما ورطتيني في تزوير أوراق الشراكة؟ خطتك دي هتخلص إمتى؟! لما نسر يوقع التنازل النهائي عن أسهم الشركة ويكتبها باسمي وهو فاكر إني بساعده أحل أزمته المالية، ساعتها بس هتاخد نصيبك المتفق عليه. أحمد بضحكة ساخرة وأنتِ فاكرة إنه مغفل؟ نسر عقله وتركيزه مش معاكي أصلاً، كل تفكيره مع سيلان! ليلى بغيظ سيلان خلاص خرجت من حساباته لما لفقنا لها صور ورسائل مزيفة وخليناه يفتكر إنها باعته وسافرت عشانه، نسر دلوقتي شايفني المنقذ الوحيد ليه!
في تلك الأثناء، سمعا صوت محرك سيارة في الخارج، وعندما اقتربا من النافذة، لمحا سيلان وهي تركب سيارتها بعدما غادرت المكان بحذر. تسمرت ليلى في مكانها بصدمة دي سيلان! كانت هنا وسمعت كل حاجة! ارتجف أحمد رعباً لو قالت لنسر عن التزوير وعن اللعبة اللي عملناها هنروح في داهية! اتصرفي يا ليلى، لو وقعتِ مش هقع لوحدي!
في تلك الأثناء، انطلقت سيلان بسيارتها ودموع القهر تختلط بالغضب يعني كل اللي نسر عمله كان مبني على أوهام وأوراق مزيفة؟ نسر اضحك عليه... لازم ألحقه قبل ما يضيع نفسه! أخرجت هاتفها واتصلت بنسر مباشرة. في مكتبه، كان نسر شارد الذهن يلوم نفسه، وفجأة رن هاتفه باسم سيلان. رد بلهفة وتردد سيلان؟ قالت بصوت قاطع وثابت نسر... لازم نتقابل حالاً في حاجة تخص ليلى والمؤامرة اللي اتعملت ضدك، مش هينفع في التليفون. انتفض نسر وأخذ مفاتيح سيارته أنا جاي في المكان اللي تحبيه حالاً!
التقى نسر بسيلان في حديقة هادئة. كانت ملامحه مشدودة بالقلق والارتباك، وبادرها قائلاً سيلان، قوليلي في إيه؟ عرفتِ إيه عن ليلى؟ أخرجت سيلان هاتفها وفتحت التسجيل الصوتي الذي وثقته أثناء حديث ليلى وأحمد عن تزوير العقود والتنازلات لو نسر عرف حقيقة التنازلات والأوراق اللي لفقناها لسيلان... كل اللي عملناه هيروح في داهية! تسمر نسر في مكانه، وشحب وجهه بصدمة قاسية دي ليلى... يعني كل الشكوك اللي زرعتها في دماغي عنك كانت كذب؟! أوراق الشراكة والرسائل؟! أكدت سيلان بهدوء ممزوج بالحزن ليلى متفقة مع محامي اسمه أحمد عشان يستولوا على أسهمك ويدمروا ثقتك في الكل، دا الواقع يا نسر.
انطلق نسر كالإعصار نحو فيلا العائلة، ودخل بخطوات هادرة ليجد ليلى جالسة مع والدتها سهير. التفتت ليلى بفزع نسر؟! وقف نسر وعيناه تشعان غضباً وقال بصوت كالرعد قوليلي يا ليلى... مخبية عني إيه بخصوص أحمد وعقود التنازل المزيفة؟! حاولت سهير التدخل بحدة متسمعش كلام حد يا نسر، دي سيلان عايزة توقع بينكم! رد نسر بصرامة أخرستها سيلان مش طرف خلاص... التسجيلات وصور المستندات اللي بينك وبين أحمد وصلتني! انهارت ليلى وتلعثمت ولم تجد مبرراً تنطق به بعدما أدركت أن شباك الخداع تمزقت بالكامل. نظر إليها نسر باشمئزاز ومرارة الجوازة دي انتهت، والشرطة والقانون هما اللي هيحاسبوكم على التزوير دا. وخرج تاركاً إياهما تضربان كفاً بكف في حسرة وخزي.
على الجانب الآخر، كانت سيلان تجلس مع عز في حديقة منزلهم. التفت إليها عز ولاحظ الشرود في عينيها، فقال بحنان صادق لسه خايفة يا سيلا؟ نظرت إليه سيلان بعينين دامعتين، لكن برؤية أوضح بكثير من ذي قبل كنت خايفة من الماضي... بس دلوقتي عرفت إن اللي كان رابطني بنسر كان مجرد وهم وجرح انتهى، وعرفت قيمتك يا عز. ابتسم عز بهدوء متسائلاً وأنا؟ لسه مكانتي زي ما هي؟ ردت سيلان بابتسامة دافئة نابعة من أعماق قلبها أنت الأمان والراحة اللي دورت عليهم طول عمري... أنا مش بهرب بيك من نسر يا عز، أنا اخترتك أنت بقلبي وعقلي، ومش عايزة غيرك جنبي. أشرقت ملامح عز بفرحة غامرة، ولأول مرة يرى في عينيها حباً حقيقياً صافياً وُلد من جديد.
مرت أيام قليلة، وتجمعت عائلة الحديدي كاملة في الصالون الكبير بحضور الجد صالح، وسليم، وكرم، ونسرين، وعز، وسيلان. دخل نسر ووضع ملفاً رسمياً على الطاولة دي المستندات القانونية اللي بتثبت براءة سيلان من كل
كلمة اتقالت عنها، وبلاغ رسمي للنيابة ضد ليلى وأحمد بتهمة النصب وتزوير محررات رسمية ومحاولة الاستيلاء على أملاك العائلة. أمر الجد صالح بحزم بخروج ليلى وسهير من القصر لمواجهة مصيرهما القانوني بعد أن سقطت كل ألاعيبهما. اقترب نسر ببطء نحو سيلان، وبدا عليه ندم عميق وإرهاق كبير أنا آسف يا سيلان... ظلمتك وسمحت للشك يعميني، ومش طالب منك تسامحيني ولا ترجعيلي... بس كان لازم أبرأك قدام الكل. أجابت سيلان بنبرة هادئة ورصينة أنا مسامحاك يا نسر على كل اللي فات، بس طريقي وطريقك اتقطعوا خلاص. التفتت سيلان إلى عز وأمسكت بيده بثقة وأمان. فهم نسر الرسالة تماماً؛ وابتسم ابتسامة رضاء هادئة وقال لعز حافظ عليها يا عز... أنت اللي تستاهلها بجد. رد عز بابتسامة واثقة دي روحي وعمري كله. وفي بهجة عائلية دافئة، أعلن سليم والد سيلان موافقته على بدء رحلة علاجه الطبيعي بكل عزيمة برفقة ابنته وعز، وأعلن الجد صالح عن موعد حفل خطوبة سيلان وعز الدين وسط فرحة غامرة.
نظرت سيلان إلى عز وقالت كدا خلصت الحكاية القديمة. أجابها عز بحب وهو ينظر في عينيها دي مش النهاية يا سيلان... دي بداية حكايتنا احنا.