عقد ملكية

لمحة نيوز

يخفضون رؤوسهم خجلًا، وآخرون استمروا بالتصوير، وبعضهم اكتفى بالنظر إلى الأرض وكأنهم تذكروا فجأة أنهم كانوا يصفقون لهذا الرجل قبل ساعتين فقط.
أما ريم فسقطت جالسة على أحد المقاعد وهي تبكي بانهيار؛ اقتربت منها لورا بهدوء وجلست بجانبها ثم قالت فعلتِ الصواب.
هزّت ريم رأسها وهي تبكي وقالت لكنني فعلته متأخرًا جدًا.
أجابتها لورا المهم أنكِ فعلته.
كنت أريد أن أقول شيئًا لكنني لم أستطع، شعرت بالفراغ فقط؛ ليس الانهيار، بل الفراغ، كأن المنزل بعد السرقة مباشرة حين تبقى رائحة الغرباء داخله بينما الجدران نفسها لا تفهم ما الذي اختفى منها.
انشغل أبي بالحديث مع الشرطة والأستاذ حسام، أما أمي فكانت تتحدث مع المحامي بهدوء مذهل، بينما بدأت نادين تجمع أغراضي دون أن أطلب منها شيئًا. وفي زاوية القاعة بقي قالب الزفاف كما هو، ضخمًا، أبيض اللون، ومثاليًا بطريقة سخيفة. اقتربت منه ببطء؛ كان تمثال العروسين الصغير يبتسم فوق الطبقة العليا، العروس بطرحتها والعريس ببدلته السوداء، كلاهما مصنوع من السكر.
مددت يدي، ثم دفعت تمثال العريس داخل الكعكة حتى اختفى بالكامل.
أطلقت نادين ضحكة وسط دموعها وقالت آسفة.. لا يجب أن أضحك الآن.
لكنني ابتسمت لأول مرة وقلت بل يجب.
ولأور مرة منذ تلك الليلة تنفست.. ليس بشكل كامل، لكنني تنفست.
اقتربت لورا مني وهي تضم الملف إلى صدرها وقالت ليلى، لستِ مضطرة للحديث معي الآن.
لكنني قلت فورًا أريد ذلك.
جلسنا معًا إلى طاولة فارغة بعيدًا عن بقية الضيوف؛ كنت ما أزال أرتدي فستان الزفاف، أما هي فكانت تنظر إليّ بحزن حذر. سألتها بصوت منخفض كيف نجوتِ منه؟
استغرقت وقتًا طويلًا قبل أن تجيب، ثم قالت بصعوبة في البداية. نظرت إلى الفراغ أمامها وأكملت خسرت منزلي، وخسرت أصدقاء كثيرين لأن ياسر سبقني دائمًا في رواية قصته، وخسرت ثقتي بنفسي وحتى وزني. ولأشهر طويلة، كلما قال لي أحد أحبك، كنت أتحقق فورًا إن كانت مفاتيحي ما تزال معي.
شعرت بغصة حادة في حلقي، وهمست أنا آسفة.
ابتسمت ابتسامة صغيرة وقالت لا داعي لذلك.. أنتِ لم تفعلي هذا بي.
قلت بمرارة لكنني كنت سأصبح زوجته.
نظرت إليّ مباشرة، ثم لمست يدي وقالت وأنا أصبحت زوجته فعلًا ولم يكن ذلك خطئي أيضًا.
وهنا انكسرت أخيرًا؛ لم أبكِ عندما عرفت بشأن الشقة، ولم أبكِ عندما اكتشفت كذبة إيطاليا، ولم أبكِ حتى عندما سمعت رقم الديون، لكنني بكيت هناك أمام امرأة كانت تشبهني قبل سنوات.
جلست أمي إلى جانبنا بهدوء؛ لم تتدخل، كانت فقط موجودة، كما كانت دائمًا حتى حين لم أكن ألاحظ ذلك. التفتُّ إليها وسألتها بصوت مرتجف لماذا لم تخبريني منذ البداية؟
نظرت إليّ بإرهاق حقيقي وقالت لأنني كنت أحتاج دليلًا.. لو أخبرتك أنني فتشت خلف خطيبك ووجدت زوجة سابقة تتهمه بالاحتيال، لركضتِ إليه فورًا. وسكتت لحظة ثم أكملت بهدوء وكان سيبكي، ويقول إنني أريد التحكم بحياتك، وربما كنتِ ستصدقينه.
وأوجعني الأمر لأنه كان صحيحًا. خفضت رأسي وهمست كنت سأصدقه فعلًا.
قالت أمي دون أي شماتة أعرف. وكان ذلك أشد ألمًا.
ثم أمسكت يدي وقالت لهذا نقلنا الشقة إلى الصندوق العائلي، ولهذا نبّهنا مدير البناية، ولهذا تركناهم يشعرون بالأمان.. لأن اللصوص يكشفون أنفسهم عندما يعتقدون أن الباب فُتح لهم بالفعل.
نظرت نحو باب القاعة حيث خرج ياسر قبل دقائق وقلت استخدمتِني كطُعم.
أغمضت أمي عينيها للحظة. أما أبي الذي كان قد اقترب منا دون أن أشعر فتوقف مكانه حين سمع كلامي. ثم قالت أمي بهدوء لا.. أنا وضعت شبكة أمان تحتك قبل أن تسقطي.
أردت أن أغضب، أردت أن أقول إنها كان يجب أن تثق بي، لكن الحقيقة بقيت بيننا واضحة وقاسية أنا نفسي لم أكن أثق بإحساسي؛ كنت أرى العلامات ثم أسمّيها تفاصيل صغيرة، أسمع الجمل الغريبة ثم أقول إنها توتر ما قبل الزواج، أعر بالخوف ثم أسمّيه حبًا.
ضغطت أمي على يدي وقالت يا ليلى، لم أكن أستطيع إبعادك عنه بالقوة.. كان يجب أن تريه بنفسك.
همست بألم لكنني رأيته متأخرًا.
هزّت لورا رأسها وقالت لا.. رأيته قبل أن توقّعي حياتك كلها باسمه.
وفي الخارج، بدأ صوت سيارات الشرطة يبتعد تدريجيًا، أما القاعة فغرقَت في صمت غريب يشبه الصمت الذي يلي العواصف مباشرة. اقترب أبي مني ببطء، ثم خلع طرحة الزفاف عن رأسي بحنان، ولم يقل ألم أقل لكِ؟ ولم يقل لماذا لم تسمعيني؟، بل قبّل جبيني فقط وقال لنعد إلى البيت يا ليلى.
وكلمة البيت طعنتني بطريقة غريبة؛ فكرت بشقتي، بالجدران التي اخترتها بنفسي، بالضوء الذي يدخل من النوافذ صباحًا، بالكتب قرب النافذة.. ثم تذكرت المرأة ذات القبعة والصناديق الفارغة وأمينة وهي تتخيل أدراجي ملكًا لها، فقلت بهدوء لا أريد العودة إلى الشقة الليلة.
أجابت أمي فورًا لن نعود.. الأقفال تُغيّر الآن، والحراسة موجودة هناك، ستأتين معنا إلى المنزل.
وفجأة رفعت ريم رأسها وقالت بصوت خافت وأنا؟
التفتنا جميعًا نحوها؛ بدت صغيرة جدًا في تلك اللحظة، وقالت وهي تبكي لا أستطيع العودة مع أمي بعد الليلة.. ليس بعد كل شيء.
تنهد أبي ببطء ليس بضيق بل بإنسانية ثم قال يبدو أن والدتك وأخاك سيكونان مشغولين لبعض الوقت.
خفضت ريم عينيها وقالت ليس لدي مكان أذهب إليه.
وفورًا قالت لورا يمكنكِ المبيت عندي الليلة.
رفعت ريم رأسها بصدمة عندكِ أنتِ؟
ابتسمت لورا بحزن وقالت ليس لأنني مدينة لكِ بشيء، بل لأنني أتعرف تمامًا كيف يبدو الخوف من هذه العائلة.
انفجرت ريم بالبكاء فورًا. أما أنا ففهمت شيئًا مهمًا في تلك اللحظة هذه الليلة لم تنقذ منزلي فقط، بل فتحت بابًا لنساء أخريات كنّ عالقات داخل نسخة ياسر الكاذبة من الواقع.
وققبل أن أغادر القاعة توقفت فجأة؛ لا أعرف لماذا فعلت ذلك، ربما لأن الجميع شاهد انهياري وأردت أن يشاهدوا خروجي أيضًا. استدرت ببطء، ثم أخذت الميكروفون للمرة الأخيرة ولأول مرة منذ بداية الليلة لم تكن يدي ترتجف وقلت بهدوء شكرًا لحضوركم.
تحركت همهمات متوترة داخل القاعة. ثم أكملت لن أشرح ما سمعه الجميع بالفعل، ولن أعتذر عن إيقاف احتفال بُني فوق الأكاذيب، لكنني أريد قول شيء واحد خصوصًا لكل امرأة موجودة هنا الليلة.
التفتت أمي نحوي، وكذلك لورا، أما أنا فأخذت نفسًا عميقًا وقلت عندما يطلب منكِ أحد إثبات الحب بطريقة تجعلك أصغر.. فهذا ليس حبًا.
ساد الصمت بالكامل. وأكملت وعندما يستخدم شخص كلمة العائلة فقط ليضع يده على ما تملكينه.. فهذه ليست عائلة.
بعض النساء خفضن أعينهن، وإحدى عمّات ياسر بدأت تبكي بصمت. أما أنا فأكملت بثبات وعندما يغضب أحدهم لأنكِ تحمين نفسك.. فهو ليس مجروحًا، بل مكشوفًا.
شعرت بشيء ثقيل يغادر صدري أخيرًا، ثم قلت آخر جملة أنا لم أخسر زواجًا اليوم.. بل تخلصت من كذبة قبل أن تسرق مني ما هو أكثر.
وضعت الميكروفون فوق الطاولة. ولم يصفق أحد في البداية، ثم بدأت نادين.. صفقة واحدة عالية، ثم أبي، ثم لورا، ثم عدة طاولات أخرى. ولم يكن تصفيق احتفال، بل تصفيق وداع.
استدرت وغادرت القاعة أخيرًا دون أن أنظر خلفي. وفي الخارج كان الفجر يقترب، والهواء يحمل رائحة مطر رغم أن السماء لم تكن تمطر. كان فستان زفافي يجرّ خلفه بتلات الورد والغبار وبقايا حياة كاملة لم تعد موجودة.
داخل سيارة والدي خلعت حذائي أخيرًا. جلست نادين في المقعد الأمامي، أما أمي فجلست إلى جانبي في الخلف، وقاد أبي السيارة بصمت طويل.
كنت أنظر عبر النافذة إلى المدينة؛ كل شيء بدا طبيعيًا بشكل مؤلم، إشارات المرور، المححال المغلقة، رجل يكنس الرصيف، شاب يضحك مع فتاة عند زاوية شارع.. وكان يبدو ظالمًا أن العالم لم يتوقف رغم أن عالمي انهار بالكامل قبل ساعة فقط. لكن ذلك بدا معجزة أيضًا، لأن استمرار العالم يعني أنني ربما أستطيع الاستمرار أنا أيضًا.
بدأ هاتفي يهتز بلا توقف؛ رسائل، اتصالات، فيديوهات، تسجيلات صوتية. لكن أمي أخذت الهاتف من يدي بهدوء وقالت ليس الليلة.
أسندت رأسي على كتفها وهمست سامحيني.
نظرت إليّ باستغراب على ماذا؟
قلت لك كلامًا قاسيًا كثيرًا بسببه.
ابتسمت ابتسامة صغيرة وقالت نعم فعلتِ.
رفعت رأسي إليها بدهشة، لكنها أكملت بهدوء ومع ذلك، لن أطلب منك الاعتذار لأنكِ أردتِ أن تكوني سعيدة فقط.
وهنا بكيت فعلًا؛ بكيت كطفلة صغيرة، بكيت على إيطاليا، وعلى الأغنية التي لم نرقص عليها، وعلى النسخة الوهمية من ياسر التي اخترعتها كي أستطيع حبه، وبكيت على لورا، وعلى ريم، وعلى نفسي. وظلت أمي تمسك يدي طوال الطريق.
وعندما وصلنا إلى منزل والديّ، بدأت السماء تفتح لونها تدريجيًا. دخلت حافية القدمين بفستان الزفاف، واستقبلني المنزل برائحة القهوة القديمة والخشب الدافئ. ذهب أبي ليحضر بطانية، وساعدتني نادين في فك الفستان، أما أمي فأحضرت لي ملابس نوم قديمة كنت أرتديها أيام الجامعة.
وعندما نظرت إلى نفسي في المرآة.. بلا طرحة، بلا كعب عالٍ، بلا باقة ورد؛ لم أرَ امرأة مهجورة، بل امرأة استعادت نفسها أخيرًا.
نمت ساعتين فقط. وعند
التاسعة صباحًا وصل المحامي، وعند العاشرة أكد الأستاذ حسام أن الأقفال تغيّرت بالكامل وتم تحديث نظام الحماية وحفظ تسجيلات الكاميرات، وعند الحادية عشرة صباحًا وصلتني رسالة من لورا تقول ريم معي.. هي خائفة لكنها بخير.
أما عند الظهيرة فقد أصبحت قصتي خبر العائلة، ثم حديث مجموعات الواتساب، ثم مقاطع منتشرة على وسائل التواصل. وكما توقعت، بدأ الناس يتكلمون؛ بعضهم قال إن ما حدث فضيحة، وبعضهم قال إن أمي بالغت، وبعض النساء كتبن أن الزوجة الحقيقية تقف مع زوجها مهما حدث، حتى إن امرأة لا تعرفني كتبت تعليقًا تقول فيه لهذا لم يعد الرجال يرغبون بالزواج.
قرأت كل ذلك بعد ثلاثة أيام وأنا جالسة داخل شقتي، بينما كان أبي يركب كاميرا جديدة قرب الباب، وكانت نادين تأكل قطعة من كعكة الزفاف مباشرة من العلبة وقالت بفم ممتلئ بصراحة الكعكة كانت ممتازة.. العريس وحده كان المشكلة.
وضحكت.. ضحكت فعلًا هذه المرة، ولأول مرة منذ تلك الليلة لم تعد الشقة تبدو وكأن أحدًا حاول سرقتها مني؛ كانت رائحتها تشبه المعقم والزهور والقهوة الطازجة، وكانت أمي قد وضعت أغصان أوكالبتوس قرب المدخل لطرد الطاقة السيئة رغم أنها لا تؤمن بهذه الأشياء أصلًا، أما أبي فكان يدّعي أنه لا يؤمن بها أيضًا لكنه لم يمنعها من وضعها.
وفي عصر ذلك اليوم، جاءت لورا إلى الشقة وأحضرت معها خبزًا طازجًا، كما جاءت ريم معها بعينين متعبتين وحقيبة صغيرة ووجه شخص يتعلم كيف يتنفس دون خوف لأول مرة.
جلسنا نحن الأربع في غرفة المعيشة أنا، وأمي، ولورا، وريم. لم نكن نعرف تمامًا ما الذي أصبحنا عليه بالنسبة لبعضنا، لسنا صديقات بعد ولسنا عائلة أيضًا، ربما مجرد ناجيات من الحريق نفسه.
أخبرتنا لورا أنها ستعيد فتح قضيتها القديمة ضد ياسر بعد ظهور الأدلة الجديدة، أما ريم فوافقت على الإدلاء بشهادتها رسميًا، وحتى عارف الرجل صاحب البدلة الرمادية قرر التعاون أخيرًا بعدما أدرك أن ياسر كان يستخدم الجميع. أما الرجلان اللذان حاولا دخول شقتي ليلة الزفاف فاعترفا أن امرأة تُدعى أمينة دفعت لهما المال للمساعدة في نقل عاجل، والفتاة صاحبة القبعة؟ اتضح أنها ابنة خالة ياسر، وكانت تعتقد فعلًا أن الأمر قانوني لأن السيدة أمينة ستعيش في الشقة أصلًا.
بعد أيام قليلة، وصلتني رسالة من ياسر عبر هاتف محاميه؛ لم أفتحها، بل أعطيتها لمحاميّ ليقرأها بدلًا مني. قال إنها تحتوي على اعتذار طويل، وأن ياسر يلوم والدته على كل شيء، وأنه لم يكن يقصد إيذائي، وأنه يحبني، وأنني حب حياته الحقيقي.. ثم قرأ آخر جملة بصوت مرتفع أرجوكِ لا تدمري آخر شيء تبقى لي.
مددت يدي نحو الورقة وطلبت قلمًا، ثم كتبت أسفل رسالته مباشرة أنا لم أدمّر شيئًا.. أنا فقط أغلقت بابي. وأعدت الرسالة إليه.
مرّت الأسابيع بعدها ببطء، لكن إجراءات فسخ الزواج تحركت أسرع مما توقعت، خصوصًا بعد إثبات إخفائه معلومات قانونية مهمة، إضافة إلى القضايا المتعلقة بالاحتيال ومحاولة الدخول غير القانونية.
ولن أكذب، الأمر لم يكن سهلًا؛ كانت هناك ليالٍ أستيقظ فيها مذعورة لأنني تخيلت صوت مفتاح داخل الباب، وأيام أشعر فيها بالخجل من الخروج، وأحيانًا كنت أفتقد النسخة الوهمية من ياسر وكنت أكره نفسي لأنني أفتقد شخصًا لم يكن موجودًا أصلًا. لكن كل مرة كنت أضعف فيها، كانت لورا ترسل لي رسالة قصيرة تقول أنتِ لا تشتاقين إلى اللص، بل إلى المنزل الذي رسمه داخل رأسك.
وبدأت ريم العلاج النفسي، وأنا أيضًا. أما أمي فلم تقل لي مرة واحدة لقد حذرتك.
وفي صباح أحد أيام الأحد بعد قرابة شهرين دعوت أمي لتناول الفطور داخل شقتي؛ رتبت الطاولة بنفسي، أطباق جميلة، معجنات، عصير طازج، وزهور بيضاء صغيرة. وحين دخلت، وقفت قرب الباب تتأمل المكان بصمت.
سألتها مبتسمة ماذا؟
هزّت رأسها وقالت لا شيء.
ضحكت وقلت ماما...
تنهدت أخيرًا وقالت كنت أخشى أن يؤلمك هذا المكان بعد كل ما حدث.
نظرت حولي؛ إلى نافذتي، ومكتبتي، والضوء الذي يدخل من الشرفة، إلى الشقة التي حاولوا تحويلها إلى قفص.. ثم قلت بهدوء نعم، آلمني فعلًا.. لكن ليس بعد الآن.
ابتسمت أمي وقالت إذًا أصبح المنزل لكِ حقًا الآن.
جلسنا نتناول الفطور معًا، ثم أخرجت صندوقًا صغيرًا ووضعته فوق الطاولة. فتحتُه ببطء، وكان بداخله فستان زفافي؛ نظيفًا، مرتبًا، لكن بلا معنى.
نظرت إلى أمي وقلت لا أعرف ماذا أفعل به.
لمست القماش برفق وقالت يمكنكِ الاحتفاظ به.
هززت رأسي فورًا لا أريد.
إذًا يمكنكِ بيعه.
قلت بابتسامة باهتة ولا أريد ذلك أيضًا.
وفي عصر اليوم نفسه، اتصلت بلورا وريم، وجاءت نادين حاملة مقصًا وزجاجات عصير وسماعة موسيقى صغيرة.. ثم قصصنا الفستان! لكن ليس بغضب، بل بهدوء؛ تحولت التنورة إلى أقمشة لمؤسسة تساعد النساء على بدء حياة جديدة، وأصبح الدانتيل مناديل صغيرة، أما الأزرار فتحولت إلى قطع تزيين. وبقطعة من الطرحة البيضاء، صنعت ريم شريطًا صغيرًا وربطته على مقبض باب شقتي، ثم قالت وهي تبتسم وسط دموعها حتى تتذكري أن أحدًا لا يدخل هذا المكان دون إذنك مرة أخرى.
عانقتها فورًا، وبكينا كلتانا.
بعد أشهر، وافق ياسر على تسوية في إحدى القضايا بينما استمرت قضايا أخرى ضده. أما أمينة فقد حاولت في البداية التظاهر بالمرض والبراءة، لكنها انتهت بإلقاء اللوم على ابنها عندما أدركت أنه استخدمها كما استخدم الجميع. ولم أشعر بالشماتة، ولم أشعر بالشفقة أيضًا؛ فبعض أنواع العدالة لا تأتي كالعواصف، بل تأتي كملفات، وتواقيع، وجلسات محكمة، وقفل جديد على الباب، وامرأة تتعلم كيف تقول الحقيقة دون خوف أو اعتذار.
وكانت آخر مرة رأيت فيها ياسر داخل المحكمة؛ بدا أنحف كثيرًا، لا بدلة فاخرة ولا ابتسامة واثقة، وحين دخلت القاعة بحثت عيناه عني فورًا، لكنني لم أهرب بنظري هذه المرة. حاول الاقتراب مني لكن محاميه أوقفه، ثم قال بصوت خافت ليلى...
لم أجب.
وقال بعدها أنا أحببتك فعلًا.
نظرت إليه لثوانٍ قليلة فقط، وفهمت وقتها أن هذه كانت آخر مفاتيحه؛ مفتاح الشك والحنين وفكرة ربما. ابتسمت ابتسامة صغيرة وقلت لكنني لم أعد أحبك.
ثم دخلت إلى قاعة المحكمة دون أن ألتفت خلفي. وفي ذلك اليوم وقّعت أوراق حريتي؛ لم تكن هناك موسيقى، ولا زغاريد، ولا تصفيق، فقط اسمي فوق ورقة، ونفَسي الهادئ.
وعندما خرجت من المحكمة، وجدت أمي تنتظرني بالقهوة، وأبي يحمل كيس معجنات، ونادين ترتدي نظارة شمسية رغم الغيوم، ولورا بجانب ريم؛ خمس نساء ورجل طيب يقفون أمام المحكمة وكأنهم يحتفلون بشيء لا يفهمه أحد غيرهم.
سألت ريم وهي تبتسم وماذا الآن؟
نظرت إلى السماء الرمادية فوق المدينة، وفكرت بالعروس التي دخلت قاعة الزفاف حاملة باقة ورد بيديها؛ أردت أن أعانق تلك النسخة مني وأخبرها أنها لم تكن غبية، بل فقط كانت تحب، وأن الحب لم ينقذها لكن الحقيقة فعلت.
ثم ابتسمت وقلت الآن.. سنأكل.
رفع أبي كيس المعجنات وقال هذا القرار اتخذته مسبقًا بالفعل.
فضحكنا جميعًا، وسرنا معًا.. ليس نحو نهاية مثالية، بل نحو حياة أصبحت تخصني أنا أخيرًا.
وفي تلك الليلة عدت إلى شقتي وحدي؛ فتحت الباب بمفتاحي الجديد، وأشعلت الضوء. كان كل شيء في مكانه؛ وضعت حقيبتي فوق الطاولة، خلعت حذائي، ثم وقفت أمام النافذة. كانت القاهرة تلمع أسفل النيل، واسعة، وغير مبالية، وحية.
فكرت في ياسر، وفي أمينة، وفي خططهما، وفي المرأة التي جاءت بالصناديق الفارغة كي تحمل حياتي بعيدًا. ثم نظرت إلى جدراني، وكتبي، وفنجاني قرب المغسلة، وانعكاسي فوق الزجاج. ولأول مرة منذ ليلة الزفاف، لم أشعر أن زواجي لم يستمر حتى ليلة واحدة، بل شعرت بشيء أقوى بكثير شعرت أن حياتي بقيت مستيقظة تنتظر عودتي إليها.
أغلقت الستائر، وأقفلت الباب، ثم نمت.. في منزلي.

تم نسخ الرابط