عقد ملكية
المحتويات
تثق بأي شيء.
اقترب الضابط خطوة وقال السيدة أمينة، السيد ياسر.. سنحتاج مرافقتكما الآن.
لكن أمي قالت فجأة يمكنها الدخول الآن.
لم أفهم ما تقصده، أما ياسر فقد فهم فورًا واختفى اللون من وجهه قبل حتى أن ألتفت نحو الباب.
ثم دخلت امرأة إلى القاعة خلف رجال الشرطة؛ لم تكن ترتدي ملابس مناسبة لحفل زفاف بنطال أسود، قميص أبيض بسيط، وشعر مرفوع بإهمال، وكانت تحمل ملفًا سميكًا بين ذراعيها. بدت في بداية الثلاثينات، جميلة لكن بطريقة مرهقة، كأن الحياة سحبت منها شيئًا مهمًا منذ زمن طويل.
تراجع ياسر للخلف وهمس لورا...
أطلقت أمينة صوتًا مختنقًا وقالت لا...
لكن المرأة لم تنظر إليها، بل نظرت نحوي أنا مباشرة، وكانت تلك النظرة أشد ألمًا من كل الأكاذيب السابقة لأنها لم تحمل كراهية، بل شفقة. قالت بهدوء أنتِ ليلى؟
أومأت بصمت.
فقالت أنا لورا مندوزا.. زوجة ياسر السابقة.
وسقط الاسم فوق رأسي كالحجر. وضعت يدي على صدري لأنني شعرت أن شيئًا داخلي يحاول الهرب. سألتها بصعوبة متى؟
نظرت لورا نحو ياسر ثم قالت قبل أربع سنوات.. تزوجنا مدنيًا في تشارلستون. كان والدي قد ترك لي منزلًا صغيرًا في الحي التاريخي هناك، لم يكن فاخرًا مثل شقتك لكنه كان كل ما أملكه. سكتت للحظة ثم أكملت بعد شهرين من الزواج، أقنعني ياسر بأن أضع المنزل كضمان لاستثمار مؤقت.. قال إنه من أجل مستقبلنا ومن أجل العائلة.
هز ياسر رأسه بسرعة وقال الأمر لم يكن هكذا.
لكن لورا لم تلتفت إليه حتى، وقالت بهدوء قاتل والدته أخذتني بنفسها إلى مكتب التوثيق.
غطّت أمينة فمها بيدها وكأنها تحاول منع الماضي من الخروج أمام الجميع. أما لورا فأكملت قالت لي إن المرأة التي لا تثق بزوجها لا تستحق الزواج أصلًا، وإن الزوجة الجيدة لا تحسب الأمتار والعقارات بل تثبت حبها بالمشاركة.
أغمضت عيني للحظة؛ كانت الكلمات نفسها، النبرة نفسها، الفخ نفسه.. لكن بفستان مختلف. شعرت بيد أمي حول خصري تثبتني قبل أن أسقط.
ثم سألت لورا بصوت خافت وماذا حدث بعد ذلك؟
فتحت الملف الذي تحمله وقالت وقّعت الأوراق، وبعدها اختفى المال.. اكتشفت لاحقًا أن الاستثمار لم يكن موجودًا أصلًا، ثم خسر المنزل بالكامل. وعندما حاولت التبليغ، اكتشفت أن ياسر استخدم مستنداتي للحصول على قروض أخرى باسمي.
رفع ياسر صوته لأول مرة لأنها كانت خارجة عن السيطرة!
ابتسمت لورا ابتسامة صغيرة متعبة وقالت لا يا ياسر.. كنت فقط وحدي.
وساد صمت هائل داخل القاعة. ثم تنفست لورا بعمق وقالت لم آتِ اليوم لأدمّر حياة أحد.. أنا هنا لأن والدتكِ تواصلت معي قبل ثلاثة أشهر يا ليلى.
التفتُّ فورًا نحو أمي.
أما لورا فأكملت أغلقت الهاتف بوجهها مرتين، وفي المرة الثالثة قالت جملة جعلتني أبقى على الخط.
سألتها ماذا قالت؟
ابتلعت ريقها وقالت قالت لي ابنتي تملك عقارًا، وهو مهتم بالمفاتيح أكثر مما ينبغي.
شعرت بالدموع تحرق عيني لأول مرة؛ ليس بسبب ياسر، بل بسبب أمي، بسبب كل مرة اتهمتها بالمبالغة، وكل مرة دافعت فيها عنه، وكل مرة قلت لها ليس كل الرجال طمّاعين.
همست وأنا أنظر إليها ماما...
مررت يدها على ظهري وقالت سنتحدث لاحقًا يا حبيبتي.
لكنني كنت قد فهمت بالفعل؛ أمي لم تكن باردة تجاه خطوبتي، بل كانت مرعوبة، وبينما كنت أختار الورود وقاعة الزفاف، كانت هي تطارد أشباح الماضي لتحميني منها.
نظرت لورا نحو ريم أخت ياسر الصغرى وقالت بهدوء وريم أيضًا تواصلت معي.
أغمضت ريم عينيها فورًا، أما ياسر فاستدار نحوها بعينين مليئتين بالغضب لدرجة جعلتني أتشبث بيدها دون وعي، وصرخ فيھا أنتِ؟
ارتجفت ريم وقالت بصوت مكسور تعبت يا ياسر...
بصق كلماته بغضب خائنة!
لكن أبي تقدّم خطوة وقال ببرود انتبه لطريقة حديثك معها.
وانفجرت ريم بالبكاء أخيرًا، لكنها لم تترك يدي. قالت وهي ترتجف كنت أسمع كل شيء.. كل شيء! كنت أسمعك أنت وأمي تتحدثان عن ليلى.. سمعت أمي تقول إن الأمر سينجح هذه المرة لأن ليلى أكثر طيبة وأسهل سيطرة. سمعت حديثكما عن إيطاليا وعن الديون وعن ضرورة تغطية المبلغ قبل أن يطالبكم الناس بأموالهم رسميًا. ثم رفعت رأسها نحوي وأكملت وعندما عرفت أنكم سترسلون أشخاصًا إلى الشقة الليلة، لم أعد أستطيع السكوت.
اندفعت أمينة نحوها فجأة وهي تصرخ ناكرة للجميل!
لكن رجال الأمن أوقفوها قبل أن تصل إليها؛ كانت تتحرك بجنون كأنها حيوان جريح يحاول النجاة، وصرخت بعصبية هستيرية فعلت كل شيء لأجل هذه العائلة! لأن والدكم تركنا بلا شيء! لأنني لن أسمح أن يرى الناس ابني فقيرًا وفاشلًا!
نظرت إليها لورا بهدوء مرعب وقالت وابنكِ يعيش بتدمير النساء.
تجمّدت أمينة مكانها. أما ياسر ففجأة تغيّر وجهه بالكامل، ورأيته يقرر شيئًا داخله، رأيته يرتدي القناع مجددًا؛ القناع الذي أحببته أنا يومًا، الرجل الحنون، الرجل الهادئ، الرجل الذي يبكي بطريقة مقنعة.
اقترب مني ببطء، وراح يفتح كفيه أمامي كأنه ضحية، ثم قال ليلى، اسمعيني رجاءً.. نعم أخطأت، نعم كان يجب أن أخبرك بشأن لورا لكن ذلك كان قبل أن أعرفك. أنا أحبك فعلًا، كنت تحت ضغط رهيب بسبب الديون وكنت سأصلح كل شيء.. الأمور خرجت عن السيطرة فقط بسبب أمي.
التفتت أمينة إليه بصدمة وقالت بسببي أنا؟!
لكنه لم ينظر إليها حتى، بل تابع وهو يحدق في عيني أقسم أنني لم أكن أريدهم أن يدخلوا الشقة الليلة، كنت فقط أحتاج بعض الوقت.
ونظرت إليه.. ولثانية واحدة فقط، رأيت الرجل الذي أحببته؛ الرجل الذي كان يحضر لي القهوة عندما أعمل حتى وقت متأخر، الرجل الذي كان يسميني مصممتي المفضلة، الرجل الذي كتب في عهود الزواج أنتِ منزلي الحقيقي.
ثم تذكرت فجأة أن اللص أيضًا يطرق الباب بلطف عندما يريدك أن تفتحيه بنفسك.
سألته بهدوء تحبني؟
قال فورًا أكثر من أي شيء.
سألته وكم تبلغ ديونك؟
ارتجفت شفتاه وقال ليلى...
قلت ببرود لا تستطيع قول رقم، لكنك تستطيع قول كلمة حب بسهولة.
ولم يجب، لكن الرجل صاحب البدلة الرمادية قال من الخلف ليست فقط اثني عشر مليونًا ونصف.
استدرنا جميعًا نحوه، أما ياسر فشد قبضته وقال اصمت يا عارف.
لكن الرجل هز رأسه وقال ليس بعد الآن.. لن أغرق معك بسبب أكاذيبك.
اقترب أبي منه وقال تكلّم.
أخذ عارف نفسًا عميقًا وكأنه اختيار أخيرًا أي جهة من الجسر سيسقط منها، ثم قال ياسر طلب المال من ثلاثة مستثمرين مختلفين مستخدمًا الوعد نفسه؛ قال إنه بعد الزواج ستتمكن من الوصول إلى الشقة، وإن ليلى ستوقّع على أي شيء يريده. أخبر أحدهم أن حماته موافقة مسبقًا، وأخبر آخر أن العقار جزء من إرث عائلي، بل وعرض على مستثمر ثالث الدخول معه في شراء مشروع عقاري جديد قبل الإنشاء.
شعرت ببرودة تسري في عظامي بالكامل، وهمست كنت ستتركني بلا منزل وغارقة بالديون أيضًا؟
نظر إليّ بعينين دامعتين وقال كنت سأصلح الأمر.
قلت فورًا لا.. كنت ستخفيه فقط.
صرخ فجأة لأنكِ لن تفهمي أبدًا حجم الضغط الذي أعيشه!
وهنا ظهر الرجل الحقيقي أخيرًا؛ بلا موسيقى، بلا بدلة أنيقة، بلا وعود.
سألته ببطء وما كانت خطتك بالضبط؟ نعود من شهر العسل الوهمي لنجد والدتك تعيش داخل شقتي؟ ثم ألتزم الصمت لأنني أصبحت زوجتك؟ وأخجل من طردها؟ ثم أوقّع لاحقًا بسبب التعب؟ أو الحب؟ أو الشعور بالذنب؟
كان يبكي، لكن عينيه بقيتا خاليتين من أي حنان حقيقي، وقال كنا فريقًا واحدًا.
ضحكت بمرارة وأجبته لا.. أنا كنت فريستك فقط.
خرجت الكلمة من داخلي تلقائيًا، وحين قلتها شعرت أن شيئًا انتهى للأبد؛ ليس الزواج فقط، بل حاجتي لأن أفهمه أو أبرر له. وفي تلك اللحظة، تقدّم رجال الشرطة نحوه أخيرًا، وقال الضابط بصرامة ياسر، أمينة.. سترافقاننا الآن.
صرخت أمينة وهي تحاول الإفلات ليس لديكم أي حق! محاميّ سيدمّركم جميعًا!
اقتربت أمي منها بهدوء وقالت بصوت لم يسمعه سوى القريبين اتصلي به إذًا، واطلبي منه أن يحضر ملف لورا أيضًا.
اختفى اللون من وجه أمينة بالكامل.
وأضاف أبي وملف محاولة اقتحام الشقة والقروض والرحلة الوهمية والتهديدات المسجلة.
رفت نادين هاتفها وقالت وكل شيء مصوّر بدقة عالية بالمناسبة.
التفت ياسر نحوي للمرة الأخيرة وقال بصوت مكسور ليلى أرجوكِ.. لا تدعيهم يأخذونني هكذا. فكّري بما كان بيننا.
نظرت إليه طويلًا، ثم قلت بهدوء هذا بالضبط ما أفعله الآن.
اقترب خطوة وقال أنا جعلتك سعيدة.
أجبته دون تردد لا.. أنت فقط درستني جيدًا.
وضربته الجملة أقوى من أي صراخ. خفض عينيه أخيرًا، وأمسك رجال الشرطة بذراعيه.
أما أمينة فبدأت تبكي فعلًا حين شعرت بيد الضابط فوق ذراعها؛ لم يكن بكاء ندم، بل شهقت أمينة وهي تبكي وقالت بصوت متقطع ليلى، كنت سأعاملك كابنة لي.
نظرت إليها طويلًا؛ كان الكحل قد سال أسفل عينيها، وفستانها الذهبي متجعد وملطخ بالنبيذ، وما تزال تحاول بيع صورة الأم الحنون التي لم تمتلكها يومًا. ثم قلت بهدوء لديّ أم بالفعل.
وقفت أمي بجانبي بصمت، ولم تكن بحاجة إلى قول أي شيء. بينما كان رجال الشرطة يقتادون ياسر وأمينة نحو الخارج، بدأ بعض الضيوف
متابعة القراءة