سلفتي مش بتحب السمك حكايات مني السيد حصري
المحتويات
شبشبها كان بيخبط في الأرض بخفة ونشاط مفيش فيه أي أثر لواحدة نايمة على ضهرها وبتموت يا بنتي حمل إيه بس فال الله ولا فالك، أنا مش ناقصة هم دلوقتي! إحنا روحنا للدكتور عشان نعمل فحوصات عادية أصلًا عشان التأخير، لقى عندي كيس مية صغير خالص قالي هيروح مع العلاج ومفيش أي حمل ولا نيلة! بس أول ما روحت وحكيت لماما على خناقة السمك وإن إيمان دي حاطة راسها براسي وعايزة تفرض شخصيتها عليا، ماما قالتلي دي فرصة نكسر مناخيرها ونعلمها الأدب. قالتلي قولي لحماتك إنك حامل وتعبانة، وخليها هي اللي تتصدر للولا طارق، وطارق أصلًا أهبل وبيسمع كلام أمه، وبكده نضرب عصفورين بحجر نقعدك ست هانم مخدومة ومكرمة، ونعلم سلفتك إزاي تعرف حجمها وتخدمك برضاها وغصب عنها!.
كنت واقفة مسمرة، الدم هرب من وشي كله، وإيدي اللي ماسكة كيس الدوا كانت بتترعش من الغيظ والقهر. سارة كملت وهي بتمط في الكلام بمياعة والله العظيم يا هبة لو شوفتيها، شكلها يفطس من الضحك! بتنزل الصبح وشها أصفر وتكنس وتمسح وتغسلي حتى الهدوم الداخلية! وعاملة فيها الملاك الرحيم، وجوزها بينزل يبوس على راسي ويقولي معلش حقك علينا لو إيمان قصرت! يا بنتي والله العظيم هفضل مكملاها شهرين كمان لحد ما أزهق، وبعدين نعمل نفسنا سقطنا ونلبسها هي الليلة ونقول من ريحة أكلها ولا عينها الوحشة!.
في اللحظة دي، حسيت بنار ولعت في نافوخي. كل التعب، كل الإهانات، كل النظرات اللي جوزي بصهالي كأني ست بلا قلب، بهدلتي قدام حماتي، صحتي اللي راحت في الترويق والمسح وطبيخ الهوانم، كل ده كان مجرد مسرحية رخيصة معمولة عشان يتكسر مناخيري؟!
إيدي اتحركت لوحدها ودفعت باب الأوضة بكل قوتي. الباب خبط في الحيطة بصوت رزع هز الشقة كلها. سارة اتنفضت من على السرير، التليفون طار من إيدها ووقع على السجادة، وهي وقفت مبرقة وعينيها متبتة فيا، وشها قلب أبيض زي الجص، كأنها شافت عزرائيل واقف قدامها. وقفت في مدخل الأوضة، بصيت لها من فوق لتحت، مفيش أي أثر لتعب، حاطة ميكب خفيف في وشها، وشعرها معمول، ولابسة بيجامة شيك، والضحكة كانت لسه مرسومة على شفايفها قبل ما تتجمد من الرعب.
قولتلها بصوت واطي جدًا، نبرة هادية بس كانت أرعب من أي زعيق بقى كيس مية يا سارة؟ ومسرحية عشان تكسروا مناخيري؟. سارة بلعت ريقها وبدأت تتلجلج، حاولت تقعد بسرعة على السرير وتعمل نفسها دايخة وتغمض عينيها إيمان... انتي فهمتي غلط... أنا كنت... كنت بهزر مع صحبتي... أنا دايخة مش قادرة أقف... الحقي....
قربت منها بخطوات بطيئة، وبدل ما أصرخ أو أمد إيدي عليها، وطيت على الأرض وجيبت التليفون بتاعها اللي كان لسه مفتوح والخط شغال ومكتوب عليه اسم أختها هبة. حطيت التليفون على ودني وقولت ببرود تام سلميلي على أمك يا هبة، وقوليلها فكرة جهنمية فعلًا، بس للأسف، النهاية مش هتعجبكم خالص.
قفلت الخط في وش أختها، وبصيت لسارة اللي كانت بترتعش بجد المرة دي، بس من الخوف والفضايح مش من الحمل. رميت كيس الدوا على السرير في وشها وقولتلها قسماً برب العزة يا سارة، لو شوفت خيالك في شقتي، أو سمعت صوتك طالع، أو حاولتي تفكري إنك هتعملي عليا نمرة تاني، لهخلي العمارة دي كلها، وعيلتك، وجوزك اللي مأمنك على شرفه وبيته، يسمعوا التسجيل اللي كان بيسجل في جيبي دلوقتي حالا.
سارة عينيها برقت برعب وقالت بصوت مخنوق انتي... انتي سجلتيلي؟!َ. ما رديتش عليها، ابتسمت نص ابتسامة وسيبتها وخرجت. بس الغضب اللي كان جوايا ما كنش رايح لسارة بس، الغضب الحقيقي كان رايح لحماتي، ولجوزي اللي هانني وصغرني وخلاني خدامة لناس بتتسلى بيا.
طلعت شقتي، قفلت الباب بالمفتاح، وقعدت في الصالة. كنت برتعش من كل حتة، بس كان في هدوء مخيف بدأ يحل محلي. أنا مش الست اللي بتعيط وتندب حظها، ولا اللي بتستنى جوزها يرجع عشان تتخانق معاه فيطلعها هي الغلطانة والمفترية. الساعة كانت داخلة على اتنين بعد الظهر. صوت طارق وهو طالع على السلم كان مسموع، بيصفر ومبسوط بعد ما خلص قعدته مع صحابه. سمعت صوت باب الشقة بيتفتح، دخل ورمى السلام وهو مبتسم إيمان، اعمليلي كوباية شاي ونبي، اليوم كان حلو برا والجو جميل.
بصيت له، ملامحي كانت جامدة تمامًا، ومردتش عليه. قرب مني باستغراب وقال مالك قاعدة كده ليه؟ في إيه؟ سارة تعبت تاني ولا إيه؟ أوعي تكوني اتخانقتي معاها؟!َ. وقفت وبصيت في عينيه مباشرة، وقولتله جملة واحدة بس خلت ابتسامته تقع، وخلت الدم يهرب من عروقه زي ما هرب من وش سلفتي تحت أمك وأخوك وسلفتك، قدامك عشر دقايق تلمهم في الصالة هنا يا طارق، يا إما البوليس هو اللي هيلمنا كلنا في القسم النهاردة بتهمة النصب والابتزاز، والشهادة معايا في جيبي.
طارق فضل واقف مكانه متنح، وبص لي كأنه شايف واحدة تانية غير مراته اللي بيعرفها، واحدة ملامحها اتحولت لحجر وعينيها فيها شرار حقيقي. ضحك ضحكة مهزوزة كأنه بيحاول يطمن نفسه إن الموضوع هزار إيه اللي بتقوليه ده يا إيمان؟ بوليس إيه وقسم إيه في يوم جمعة؟ إنتي اتجننتي؟ فيه واحدة عاقلة تقول على أهل جوزها نصابين وبتوع ابتزاز؟!َ.
قربت منه خطوة واحدة، وصوتي كان واطي لدرجة إنه طلع أهدى من الهمس، بس كان بيقطع زي السكين أنا مجنونة؟ تمام، رن على أخوك يوسف دلوقتي حالا وقوله يجي، ورن على أمك تطلع. قدامك بالظبط تسع دقايق، لو الدقيقة العاشرة دخلت وما لقيتهمش قاعدين قدامي، أنا اللي هنزل على القسم، وأول ورقة هرفعها هي محضر ضد سارة وأختها وأمها بالصوت المسجل، وتاني ورقة قضية خلع يا طارق، واليمين اللي هحلفه في المحكمة مش هيرجع فيه مخلوق!.
طارق وشه اتقلب تمامًا، عرف إن في كارثة حقيقية، وإن الهوا المرة دي مش هزار نسوان ولا خناقة طبيخ. طلع تليفونه من جيبه وإيده كانت بتترعش شوية من غير ما يقصد، وطلب أخوه يوسف وقال له بنبرة متوترة يوسف، انت وصلت من إسكندرية؟... طب اطلع لشقتي حالا... لا ما تسألش، اطلع إنت وسارة وأمي كمان، إيمان قالباها حريقة هنا ولازم نلم الموضوع.
قفل مع أخوه، وبص لي وهو بيبلع ريقه بعصبية أمي ست كبيرة يا إيمان، لو قللتي أدبك عليها أو جيتي جمبها بكلمة توجعها.... قاطعته قبل ما يكمل أنا عمري ما قللت أدبي ولا هقلله، الأصول أنا عارفاها كويس، بس الأصول لما بتتداس من أهل البيت، يبقى مفيش احترام لحد، استنى وشوف بعينك عشان تعرف مراتك كانت مستحملة إيه.
عشر دقايق بالظبط، وكان الباب بيخبط. فتح طارق، ودخل يوسف أخوه لسه لابس هدوم السفر والشنطة على كتفه، وراه حماتي ساندة على عكازها ولابسة إسدال الصلاة، وفي الآخر خالص كانت سارة دخلت بتتسحب، عينيها في الأرض، وشها شاحب كالموتى، وجسمها كله بيرتعش، كانت متبتة في ديل جلابية حماتي كأنها بتستخبى منها أو منها فيا.
حماتي دخلت قعدت على
متابعة القراءة