سلفتي مش بتحب السمك حكايات مني السيد حصري
المحتويات
خير، والدكتور مانعها من الحركة خالص، ولازم راحة تامة، ومفيش وقفة في مطابخ ولا أكل تقيل، وأنا صحتي على قدي زي ما انتي شايفة ورجلي مش شيلاني.
هنا بقى بدأت أحس بالخيط التاني في الحكاية. بصيت لحماتي وقولتلها أكيد طبعًا يا ماما، ربنا يتمم لها على خير وتقوم بالسلامة. حماتي عدلت طرحتها وقالت ببساطة غريبة عشان كده بقى يا إيمان، إحنا قفلنا مطبخها خالص، وهي هتفضل نايمة على ضهرها، وأكلها وشربها وعلاجها ومصالح شقتها هتبقى عليكي انتي لحد ما تعدي التلات شهور دول.. ما هو انتي زي أختها، وإحنا ملناش غير بعض في البيت ده، وطالما إحنا في بيت عيلة واحد يبقى نشيل بعض.
الكلمة نزلت عليا زي الصاعقة. خدمة كاملة؟ شقتها وأكلها وعلاجها ومصالحها، وأنا اللي عندي طفلين في المدارس ومسؤوليات وطلبات جوزي؟ وفوق كل ده، هي كانت بتعاملني بجفاء وقرف طول السنتين اللي فاتوا، ودلوقتي الموضوع اتحول فجأة لفريضة عليا إني أشيل بيتها بالكامل؟
بصيت لسارة، لقيت نظرة الدموع اختفت شوية، وظهرت بدالها نظرة ترقب، نظرة واحدة مستنية تشوف أنا هقول إيه وهل هعرف أرفض قدام الست الكبيرة ولا لأ. قولت بهدوء وأنا بحاول أوزن كلامي أنا عنيا ليها في اللي أقدر عليه يا ماما، أبعتلها أكل من اللي بعمله لبيتي، أنزل أروق لها ترويقة خفيفة كل يومين، إنما شيل كامل أنا مش هقدر، انتي عارفة عيالي ومذاكرتهم وظهري التعبان.
وش حماتي اتقلب في ثانية، النبرة الحنينة الحزينة اتبخرت، وقالت بحزم أكل من اللي بتعمليه لبيتك إيه يا بنتي؟! بقولك الدكتور كاتب لها على نظام أكل معين، شوربة خضار فريش، مسلوق، عصاير طبيعية كل ساعتين، مفيش بصل مسبك ولا دهون ولا حاجة تقلب بطنها. انتي هتستخسري في مرات أخو جوزك؟ هو ده رد الجميل؟ دا أنتوا لحمكم من خير بعض، وجوزك لو عرف إنك بتترددي في خدمة سلفتك وهي في الحالة دي هياكل وشك!.
الكلام وجعني، وحسيت بإهانة مباشرة. يعني أنا اتهمت إني معنديش دم إمبارح، والنهارده بيتحط عليا فرض عين إني أكون شغالة لبيتها عشان غلطة هي اللي بدأتها لما خبت عليا، وفوقها بيتهدد بيا جوزي!
سارة اتكلمت بصوت فيه مسكنة زيادة عن اللزوم خلاص يا حماتي، ما تضغطيش عليها، أنا هتحمل وخلاص، ولو الضنى نزل تاني يبقى نصيبي، ربنا يعوض عليا، مش عايزة أتقل على حد. الدراما كانت عالية أوي، ومتقونة لدرجة تخنق. بصيت لها وقولت يا سارة متقوليش كده، ربنا يقومك بالسلامة ويحفظلك جنينك، أنا هعمل اللي في وسعي ومفيش تقل ولا حاجة.
نزلت حماتي وسارة معاها بالراحة على السلم، كأنها ماشية على بيض، وأنا قفلت الباب وسندت ضهري عليه وأنا باخد نفسي بالعافية. دخلت المطبخ اللي كان لسه فيه أطباق الفطار، لقيت نفسي تايهة. ريحة السمك كانت راحت من البيت لأني مسحت بكلور وفينيك وبخرت من الصبح، بس ريحة تانية وحشة بدأت تظهر في الجو.. ريحة استغلال صريح متغلف بوجع وخوف.
المغرب جه، وجوزي رجع من الشغل. أول ما دخل من الباب، لقيته باصص لي بصه غريبة، لا سلم ولا اتكلم، قلع جزمته ودخل الصالة ورزع مفاتيحه على الترابيزة. وقفت قدامه وقولتله مالك يا طارق؟ في إيه؟. بصلي وقال بعتاب تقيل بقى سارة حامل وفي خطر يا إيمان، وانتي الصبح تقفي تعاندي مع أمي وتقولي مش فاضية أخدمها؟ هي دي الأصول اللي اتربيتي عليها؟ الناس تايهين في مستشفيات ودكاترة من الفجر، وانتي شاغلة بالك بالمذاكرة والعيال؟!َ.
حسيت بدمي بيفور أنا قولت كده؟! مين اللي قالك الكلام ده؟ أنا قولت هعمل اللي أقدر عليه، بس هما عايزين خادمة مقيمة بشروط خاصة! وبعدين هي ليه خبت عليا أصلاً من البداية؟ لو كانت قالتلي إنها حامل، هو أنا كنت هفكر أعمل حاجة تضايقها؟ ليه سابتني أبان وحشة إمبارح والنهارده تعملني أنا المذنبة؟.
طارق ضرب بإيده على الترابيزة وقال بنفاد صبر خافت من العين يا سارة! الست سقطت مرتين قبل كده، حقها تخاف ولا مش حقها؟! المهم دلوقتي مين قال ومين عاد، أخويا كلمني وهو منهار في التليفون، قالي مراتي أمانة في رقبتكم انت ومراتك، أمي ست عجيبة مش هتقدر، وانتي اللي موجودة في العمارة. شقتهم هتتنضف كل يوم، وأكلها ينزل في مواعيده بالمسطرة، ومش عايز أسمع مشاكل تاني، الموضوع مش مستحمل هبل نسوان!.
قربت منه وبصيت في عينيه وقولت بصوت واطي ومرجف هبل نسوان؟ يعني أنا بعد التعب ده كله يطلع عليا هبل نسوان؟ ماشي يا طارق، أنا هعمل بأصلي، بس افتكر كويس إنك بتظلمني.
من اليوم ده، بدأت مرحلة تانية خالص في البيت. مرحلة كانت أصعب بمراحل من مشكلة السمك. كنت بصحى من الساعة ستة الصبح، أجهز فطار عيالي واللانش بوكس، أوديهم المدرسة، أرجع جرى على شقة سارة. كنت أنزل بالمفتاح اللي حماتي أصرت إني آخده عشان ما أزعجهاش بالتخبيط. أدخل بالراحة، ألاقيها نايمة ومغيمة الأوضة بالتكييف والستاير. أدخل المطبخ بتاعها، أعملها الفطار الخاص بيها بيض مسلوق، عصير برتقال فريش معصور في وقته، توست بني. أطلعلها الأكل لحد السرير، تصحى، تبص في الصينية بقرف وتقول البيض ده مش مستوي كويس يا إيمان، البرتقال فيه مزازة، معدتي هتتعب، ارميه واعمليلي تفاح بيوريه أحسن.
كنت أبلع الإهانة وأقول في بالي معلش، هرمونات حمل وضعيفة. أروح أعمل اللي طلبته، وبعدين ألم الزبالة، أمسح الشقة، أغسل الغسيل بتاعها وبتاع جوزها، وأطلع شقتي ألحق أعمل أكل بيتي وأذاكر للعيال. الموضوع استمر أسبوعين على الحال ده، وأنا حيلي اتهد. خسيت، وعيالي بدأوا يشتكوا إني مش بقعد معاهم، وجوزي كل ما يرجع يلاقي البيت مكركب يقولي إنتي مهملة في بيتك ليه؟. ولما أقوله كنت تحت يزعق ويقول ما كل الستات بتشيل بعض، إنتي بتمني علينا؟!َ.
في نص الأسبوع التالت، حصل الموقف اللي قلب الموازين كلها وخلاني أقف على رجلي. كان يوم جمعة، وجوز سارة كان مسافر مشوار شغل تبع شركته في إسكندرية وراجع بليل، وطارق جوزي كان نازل يصلي الجمعة ويقعد على القهوة شوية مع صحابه. نزلت كالعادة عشان أديها علاج الساعة اتناشر وأشوف طلباتها. فتحت باب الشقة بالمفتاح براحة عشان ما أزعجهاش. الشقة كانت هادية خالص، وصوت التلفزيون في الصالة مقفول. مشيت في الطرقة براحة متجهة لأوضة النوم، وكنت ماسكة في إيدي علبة العلاج اللي اشتريتهولها من الصيدلية الصبح بفلوسي أنا ومحدش قالي حتى خدي تمنه.
وأنا بقرب من الأوضة، سمعت صوت ضحك! ضحك عالي ورنان، صوت واحدة فايقة ورايقة جدًا ومبسوطة على الآخر. وقفت مكاني مذهولة. الصوت كان جاي من جوة الأوضة، وسارة كانت بتتكلم في التليفون هههههههه، يا بنتي بطلي بقى هموت من الشحك، والله العظيم فكرة جهنمية، أمك دي دماغها توزن بلد! ما كنتش مصدقة إن الحوار هيبلعوه كده!.
وقفت ورا الباب، قلبي كان بيدق في وداني زي الطبلة. مسكت مقبض الباب وسكت خالص، وحبست أنفاسي. سارة كملت كلامها وهي بتتحرك في الأوضة، وصوت كعب
متابعة القراءة