الهانم بتاعتك عينها وسعت وطمعت! اشترت بيت ع البحر.. يبقى لازم تقسمه معاك بالحق!
المحتويات
الرسايل كلها ببرود تام، قفلت التليفون ورمته في الشنطة. دفعت الحساب، وقامت تمشي راجعة للبيت. الساعة كانت عدت حداشر ونص لما فتحت باب الشقة بالمفتاح. أول ما فتحت، شمت ريحة بخور تقيلة خنقة.. ريحة البخور اللي الحاجة فايزة دايمًا بتولعه عشان تطرد العين والحسد. الشقة كانت هادية بشكل كئيب، بس النور بتاع الصالة كان والع، وطارق قاعد على الكنبة، حاطط راسه بين إيديه، وأول ما سمع صوت المفتاح اتنفض من مكانه وجري ناحيتها.
إيلين! اتأخرتي ليه كده؟ كنت هتجنن، تليفونك مقفول ليه؟ إيلين قلعت جزمتها وحطتها على الجنب، وعلقت شنطتها على الشماعة من غير ما تبصله تليفوني فصل شحن.. وأنا مكنتش حابة أسمع دوشة. طارق مسك إيدها بلهفة، إيديه كانت متلجة وعرقانة حقك عليا.. أنا عارف إني غلطت، وعارف إن طريقة أمي كانت ناشفة شوية.. بس والله العظيم هي متعرفش حاجة عن شغلنا وتعبنا، هي ست قديمة وتفكيرها على قدها، فاكرة إن الراجل والست لما يتجوزوا كل حاجة بتدخل في بعضها..
إيلين بصت له بهدوء تام، سحبت إيدها من بين إيديه بالراحة ومشت ناحية المطبخ. دخلت، صبت لنفسها كباية مايه وشربت نصها، وطارق ماشي وراها زي ضلها، وشه مليان قلق وخوف حقيقي. إنتي ساكتة ليه يا إيلين؟ اتكلمي، اصرخي، عاتبي.. قولي أي حاجة بس متسكتيش كده! طارق صوته كان بيتهدج.
لفت إيلين وشها ليه وسندت على رخامة المطبخ أقول إيه يا طارق؟ أقولك زعلانة؟ أنا مش زعلانة.. الزعل ده بيكون لما الواحد يتفاجئ بحاجة مكنش متوقعها.. بس أنا النهاردة شوفت الحقيقة اللي كنت عامية عنها تلات سنين كاملين. حقيقة إيه بس؟! قرب طارق خطوة وتوسل أنا بحبك! إنتي مراتي وحبيبتي وشريكة عمري، عمري ما فكرت أطمع فيكي ولا في فلوسك!
بجد يا طارق؟ ابتسمت إيلين بمرارة محبتك دي هي اللي خلتك تروح تقعد مع أمك تحسبوا هتاخدوا مني إيه؟ محبتك هي اللي خلتك تقف ساكت وهي بتقولك طلقها واكسر رقبتها عشان تاخد نص الشاليه وترميها للمحاكم؟ محبتك هي اللي خلتك تهز راسك وتوافق إن هند وبناتها يروحوا يفرشوا في تعبي وأنا أقعد في الحر هنا أكد واشتغل عشان أصرف عليكم؟
طارق اتلخبط، عينيه بدأت تدمع من العجز أنا كنت بحاول أسايرها! إنتي متعرفيش أمي لما بتقفش بتعمل إيه، دي كانت هتقلب الدنيا على دماغي وتعملي فضيحة في العيلة! قولت أقولها حاضر وبعدين أراضيكي بيني وبينك.. مكنتش أعرف إنك سامعة! يعني لو مكنتش سامعة، كنت هتيجي بالليل تقنعني بلواية الدراع؟ سألته بصوت حاسم قاطع كنت هتيجي تقولي معلش يا إيلين عشان خاطري هند تروح، معلش يا إيلين عشان خاطر أمي اكتبيلي حتة من الشاليه عشان مايبقاش شكلي وحش؟ كنت هتبتزني بمشاعري وبحبي ليك لحد ما تاخد اللي هما عايزينه، صح؟
طارق سكت، معرفش ينطق. سكوته كان الاعتراف الصريح اللي ملوش أي تأويل.
طارق.. مشت إيلين بهدوء ناحية أوضة النوم، وفتحت الدولاب المسرحية دي خلصت خلاص. طارق جرى وراها ودخل الأوضة، شافها بتسحب شنطة السفر الكبيرة من فوق الدولاب وبتحطها على السرير. اتخض ورجله خبطت في الكومودينو إيلين بتعملي إيه؟! إنتي هتسيبي البيت؟!. بصت له إيلين ببرود وهي بتفتح سوستة الشنطة أنا؟ لا يا حبيبي، أنا مسيبش بيت أنا دافعة إيجاره وساترة حيطانه.. الشنطة دي مش ليا.. الشنطة دي ليك إنت.
الكلمة نزلت عليه زي ضربة شومة. طارق برق بعينيه، ورجع خطوة لورا كأنه مش مستوعب الكلام ليا أنا؟! إنتي بتطرديني من بيتي يا إيلين؟! ده مش بيتك، قالتها وهي بتفتح درف الدولاب وبتبدأ تاخد بدل شغله وهدومه وتطبقها وتحطها في الشنطة بسرعة واحترافية ده بيت مستأجر، العقد باسم إيلين عبد الرحمن، الفواتير بتدفعها إيلين، الإيجار بيطلع من فيزا إيلين. إنت هنا كنت ضيف.. وأنا بصراحة كرم الضيافة عندي خلص النهاردة.
طارق اتهور، جرى ومسك دراعها بعنف، حاول يشد الهدوم من إيدها إنتي اتجننتي؟! طرد إيه وهبل إيه؟! أنا جوزك، فاهمة يعني إيه جوزك؟! ده بيتي زي ما هو بيتك، ومفيش راجل بينطرد من بيته عشان مراته اتمردت ومعاها قرشين! إيلين وقفت مكانها، وبصت في عينيه بقوة غريبة خلت إيده ترتخي تاني طارق، إنت لو فاكر إن الصوت العالي والبلطجة دي هتمشي معايا تبقى لسه متعرفنيش. أنا لحد دلوقتي بلم هدومك بالذوق وبحترام للعيش والملح اللي بينا. لو فكرت تلمسني أو تعلي صوتك عليا تاني، البوليس هيكون هنا في ظرف خمس دقايق، وبدل ما تخرج بشنطة هدومك محترم، هتخرج مكلبش ومتبهدل. وأنا معنديش أغلى من كرامتي عشان أخاف من الفضايح.. الفضايح دي تخاف منها إنت وأمك اللي همكم الناس والعيلة.
طارق اتكسر تمامًا، قعد على طرف السرير، وحط وشه في كفوفه وبدأ يعيط، عياط راجل حاسس إن كل حاجة بتنهار تحت رجليه ليه كده يا إيلين؟ ليه بتهدي كل حاجة في لحظة؟ عشان غلطة؟ عشان أمي قالت كلمتين في لحظة غضب؟ فين الحب؟ فين السنين اللي عشناها؟ إيلين مكنتش بتبص له وهي بتكمل تلم الهدوم، بس صوتها كان فيه حزن عميق، حزن ناضج مش بتاع عيال الحب مات لما شوفت راجلي واقف ساكت قدام أمه وهي بتقلل من مراته وبتقسم شقاها. الحب مات لما حسيت إنك مستكتر عليا فرحتي، وإن أول ما بقى عندي حاجة حلوة في حياتي، شوفتوا إزاي تنهبوها وتوزعوها على قرايبكم بحجة الأصول والعشم. أنا مش بنك مفتوح للسحب، ولا أنا درع يحميك من مسؤولياتك، ولا أنا شاحنة بتجر وراها عيلتك كلها وإنت قاعد بتتفرج.
قفلت إيلين سوستة الشنطة الأولى، وسحبت شنطة تانية أصغر حطت فيها جزمته وساعاته وحاجاته الشخصية. طلعت كل حاجة تخصه في أقل من نص ساعة، كأنها بتمسح وجوده من الأوضة بأستيكة. وقفت قدامه ورمت المفاتيح الاحتياطية على السرير الشنط جاهزة. مفاتيح الشقة دي تسيبها هنا.. وعربيتك، بما إنك راجل وليك هيبتك ومش شحات عندي زي ما قولت في المطبخ، قدامك تلت أيام بالظبط، تروح البنك تنقل القرض باسمك أو تسدد الباقي منه، لأني بكره الصبح هسحب ضمانتي من البنك رسمي، والبنك هيتصرف معاك.
طارق رفع راسه، عينيه حمرا ومورمة عايزة تخربيها رسمي يعني؟ عايزة تدمريني؟ إنت اللي دمرت نفسك لما سلمت ودانك لأمك، ولما فكرت إن سكوتي وطيبتي دول ضعف.. اخرج يا طارق، وبكرة المحامي بتاعي هيتواصل معاك عشان ننهي كل حاجة في هدوء.. ورقة طلاقي توصلي على عنوان أهلك، وبالمعروف زي ما دخلنا بالمعروف.
طارق وقف، بص للشنط، وبص للأوضة اللي كانت شاهده على تلات سنين من حياتهم. حاول يدور في وشها على أي بادرة تراجع، على أي نقطة ضعف ممكن يلعب عليها، بس ملقاش غير جدار عازل من البرود التام. أدرك في اللحظة دي إن كل محاولاته فشلت، وإن الست اللي قدامه دي خدت قرارها خلاص ومفيش فيه رجعة. شال الشنطتين بقلة حيلة، وخرج للصالة، وصل عند باب الشقة ووقف وبص وراه هتندمي يا إيلين.. هتندمي
متابعة القراءة