سر تحت الجبس
سر تحت الجبس
«وجع رهيب شق دراعي اليمين من فوق لتحت، عينيا اتملت دموع في ثانية ومابقتش شايف قدامي، وأنا بتنفس بالعافية. غمضت عينيا على آخري، بحاول بأي طريقة أكتم الصرخة اللي كانت طالعة من زوري بتكتفني. أنا سمر، أم مطلقة وعايشة في القاهرة، بشقى سبع أيام في الأسبوع كرئيسة الشغالات في فيلا المغازي الفخمة. ماكنتش أقدر أخسر الشغلانة دي أبداً.. مش النهاردة بالذات. مش وابني اللي عنده تسع سنين، يوسف، راقد في أوضة معقمة في مستشفى سرطان الأطفال، بيستنى جرعة كيماوي هي اللي هتقومه بالسلامة، وكانت بتتكلف ألوفات الملايين وأنا حيلتي إيه؟ ولا مليم.
عشان أضمن إن القِرشين يفضلوا داخلين، كتمت خبر إصابتي وقعدت يجي ثلاث أسابيع ساكتة. تحت أكمام جلابية الشغل الواسعة، كانت إيدي اليمين متدغدغة ومتربطة بجبس تقيل من الفايبر. استحملت الوجع اللي يهد الجبال، وأنا بشيل صواني الفضة التقيلة بإيد واحدة، وبدعك أرضيات الرخام لحد ما ركبي ساحت، كل ده عشان أسدد مصاريف علاج يوسف.
وفي مطبخ الفيلا الواسع، كانت نادين، خطيبة سيدي الباردة المغرورة ابن المغازي بيك صاحب شركات التكنولوجيا المقرش واقفة فوق دماغي زي القضاء المستعجل. عينيها كانت بتمطر شر، وهي بتشاور بصابعها المتزوق على حلة الصوص اللي على البوتاجاز. — أنتِ واحدة مهملة وما بتفهميش حاجة! صرخت نادين، وصوتها يرن في السقف العالي: بوظتي صوص الترفل بتاع حفلة النهاردة! أنتِ فاهمة إزاي أزازة النبيذ دي كانت بقد إيه؟ — أنا آسفة جداً يا هانم اترجيتها وصوتي بيموت من الخوف، وأنا بتسحب ورا وبزيح جسمي ناحية الرخام: وحياة ولادك هعمل غيره في عشر دقايق بس، والله... — والله لتتدفعي تمنها من رقبتك! زعقت، وهجمت عليا بغل ومش شايفه قدامها.
قبل ما ألحق أرجع خطوة لورا، نادين مسكتني من دراعي اليمين.. نفس الدراع اللي كانت زقتني بيه بغشومية من على السلم الكبير من ثلاث أسابيع في لحظة غضب. ضوافرها الطويلة المبرودة انغرست صح في العضم المكسور، فوق الجبس بمليمترات. ضغطت بكل قوتها ولوت دراعي بكل غل. صوت طقطقة يرعب الميتين رن في المطبخ. الوجع كان يعمي. رجليا ما شالتنيش ووقعت على البلاط الساقع، ماسكة دراعي المتدشدش والدموع نازلة من عينيا زي المزراب.
وفجأة، أبواب المطبخ الخشب التقيلة اتفتحت بعنف. خطوات سريعة ومُرعبة قربت تجري، وصوت زي الرعد، مليان غضب وغل يهد الجبال، شق السكوت. — بس! حاسبي دي مصابة! صرخ أدهم المغازي وهو واقف على الباب، عينيه الملونة كانت هتنط من الانهيار والغضب اللي ركبه لما شاف المنظر البشع ده.
أدهم قطع المطبخ بفركتين، وجسمه الرياضي المليان عضلات زاح نادين بعيد عني قبل ما تلمسني تاني. نزل على ركبه جنبي، وإيديه كانت معلقة فوق جسمي اللي بيرعش بكل خوف وقلق باينين في عينيه. — سمر، أوعي تتحركي! همس لي، والبرود بتاعه بتاع البيزنس اتبدل في ثانية لرعب حقيقي: أنتِ موجوعة فين؟ قبل ما ألحق أرد، نادين عدلت فستانها اللي بآلافات الجنيهات، ووشها اتحول في ثانية لوش البنت البريئة المصدومة: — أدهم! الحمد لله إنك جيت بدري! لازم تطرد الست دي فوراً. دي كانت بتعصى أوامري بقصد وتدور عشان تبوظ العزومة بتاعة ذكرى المرحومة والدتك! (ورمت نفسها على الأرض عشان تعمل شو ومظلومية!).
أدهم ما بصلهاش أساساً. عينيه كانت متثبتة على دراعي اليمين. وبكل حنية بالغة، صوابعه أزاحت القماش التقيل بتاع أكمامي، عشان يكشف الجبس الأبيض التقيل اللي مغطي إيدي من كف إيدي لحد كوعي. صوابع إيدي كانت ورمانة بشكل يرعب وزرقاء من العصرة اللي نادين عصرتهالي. — جبس؟! أدهم سأل، وصوته نزل لنبرة واطية تُرعب سمر: أنتِ دراعك مكسور بقاله قد إيه؟ — ثلاث... ثلاث أسابيع يا أدهم بيه همست، والدموع مغرقة وشي وأنا ضامة دراعي على صدري. — ثلاث أسابيع؟ وشغالة ثمان ساعات في اليوم تشيلي صواني ثقيلة ودراعك مكسور؟! أدهم بص لنادين، وفكه مشدود من كتر الغيظ: أنتِ كنتِ تعرفي؟
خدود نادين احمرت، بس ضحكت ضحكة معوجة كلها قلة قيمة: — يا سلام يا أدهم! ما هي شغالة خايبة. وقعت من على سلم الخدم من ثلاث أسابيع عشان ما بتركزش. وأنا حاولت أعمل فيها طيبة وما أبلغش عن خيبتها دي! — أنتِ ما وقعتيش، صح يا سمر؟ أدهم سأل وهو باصص في عينيا حتة بحتة.
اتنفضت، وبصيت بين سيدي اللي في إيده كل حاجة، وبين الست اللي ماسكة حبل حياة ابني في إيديها: — أنا... ما أقدرش أخسر شغلي يا أدهم بيه. ابني يوسف عنده لوكيميا سرطان الدم. وجرعة الكيماوي بتاعته المفروض تتاخد النهاردة في مستشفى 57357. لو تردت، التأمين هيتقفل، وهو... مش هيعيش. سكوت قاتل نزل على المطبخ. نظرة أدهم اتغيرت وبقت كلها حزن وذنب ثقيل، لما استوعب الشيلة التقيلة اللي كنت شايلاها لوحدي تحت سقف بيته.