بعد ما جوزي عرف إني حامل في بنت
ثم كملت لكن من يوم ما دخلت البيت وأنا شايفة الحقيقة.
حسيت بحزن عليها رغم كل حاجة؛ لأنها كانت أصغر من إنها تتحمل لعبة بالشكل ده. قالت أنا مش عايزة أكمل. القرار قرارك. بس خايفة. من إيه؟ من والدته. لأن حماتي كانت مسيطرة على الكل، حتى ابنها نفسه. وفي اللحظة دي فهمت إن البيت كله كان ضحية لفكرة واحدة لازم ولد.. فكرة دمرت ناس كتير.
بعد أسبوع حصلت صدمة جديدة. كنت قاعدة في الشركة أراجع بعض الملفات، وفجأة اكتشفت حاجة غريبة.. قطعة أرض بمبلغ ضخم متسجلة باسم شخص تاني، لكن الفلوس طالعة من حساب الشركة. راجعت الورق أكتر ولقيت اسم الشخص.. واتجمدت؛ الاسم كان.. أخو حماتي.. خالي جوزي!
قعدت أراجع المستندات مرة واتنين، كل حاجة واضحة؛ فلوس الشركة اتحولت لشراء أصول باسم أقارب. ساعتها فهمت ليه التحقيقات بدأت، وفهمت إن جوزي ما كانش بيتصرف لوحده، كان في ناس حواليه بتشجعه وبتستفيد.
رجع البيت بالليل، كان مرهق جدًا وشكله أكبر من عمره بفترة. أول ما شافني قال عرفتي؟ قلت عرفت حاجات كتير. سكت، وبعدين قعد قدامي لأول مرة من شهور.. من غير غرور.. من غير تكبر.. وقال أنا غلطت. بصيتله وما رديتش فكمل غلطت لما سمعت كلام أمي أكتر من اللازم. بس؟ نزل راسه وغلطت لما اتجوزت. بس؟ وغلطت لما ظلمتك.
كنت مستنية الجملة دي من زمان، لكن الغريب إنها ما فرحتنيش؛ لأن بعض الجروح بتوصل لمرحلة ما ينفعش تتصلح بسهولة. قلت الاعتراف بالغلط حاجة كويسة. يعني ممكن تسامحيني؟ بصيت على بطني وبعدين بصيت له وقلت في فرق بين التسامح.. وإن كل حاجة ترجع زي الأول. وما عرفش يرد؛ لأنه كان فاهم المعنى.
بعد أيام قليلة.. ندى سابت البيت فعلًا ورحت عند أهلها، وحماتي دخلت في حالة غضب هستيرية، بقت تلومني على كل حاجة، تقول إني خربت بيت ابنها وتقول إني السبب. لكن الحقيقة كانت أوضح من أي وقت؛ ابنها هو اللي اختار، وابنها هو اللي نفذ، وابنها هو اللي دمر حياته بإيده.
وفي الشهر السابع من حملي.. دخلت المستشفى بسبب تعب مفاجئ، الأطباء طلبوا راحة كاملة، وجوزي كان أول واحد وصل. قعد جنب سريري ساعات ساكت، لحد ما قال لو ربنا رزقنا بيها بخير.. أنا عايز أسميها على اسم أمك. بصيت له باستغراب؛ لأن دي كانت أول مرة يتكلم عن البنت أصلًا، وأول مرة يقول بنتنا. ووقتها حسيت إن الحياة أحيانًا بتعلم الناس بالطريقة الصعبة جدًا.
لكن قبل ما أجاوبه.. دخل ممرض بسرعة وقال في حد برا مصر يطلب يكلم حضرتك ضروري. استغربت مين؟ رد بيقول إنه شريك قديم لوالد زوجك، وعنده مستندات هتغير كل اللي أنتم فاكرينه عن الشركة.
وساعتها فقط.. عرفت إن الحقيقة الكاملة لسه ما ظهرتش. بصيت للممرض بعدم فهم شريك قديم لوالد زوجي؟ هز راسه أيوه، ومصمم يكلم حضرتك شخصيًا.
أخدت التليفون وجالي صوت راجل كبير في السن، واضح من طريقه إنه عايش برا مصر من سنين، قال مدام مريم؟ أيوه. أنا عارف إن الوقت مش مناسب، لكن لازم تعرفي الحقيقة قبل فوات الأوان.
بدأ يحكي، والكلام اللي سمعته خلاني أقعد مستقيمة على السرير.. طلع إن والد جوزي قبل وفاته بسنوات كان داخل في شراكة كبيرة وكان ناوي يوسع نشاطه، لكن حصلت أزمة مالية وقتها والراجل ده ساعده بمبلغ كبير جدًا، وفي المقابل اتكتب اتفاق قانوني بيضمن حقوق الطرفين. لكن بعد وفاة والد جوزي.. الأوراق دي اختفت أو بالأصح.. اتخبت.
سألته وإيه علاقة ده باللي بيحصل دلوقتي؟ قال لأن جزء كبير من أصول الشركة الحالية مبني على الاتفاق ده، ولو ظهر للجهات المختصة.. في ناس كتير هتتحاسب، وأولهم الناس اللي كانت بتدير الشركة خلال السنين الأخيرة.
قفلت المكالمة وأنا مصدومة، ولأول مرة حسيت إن الموضوع أكبر من مجرد خلاف عائلي؛ في شبكة أخطاء متراكمة من سنين، وكل يوم بيكشف جزء جديد منها.
بعد يومين خرجت من المستشفى، وبمجرد ما رجعت البيت لقيت حماتي قاعدة في الصالون ووشها كان شاحب وكأنها ما نامتش من أيام. أول ما شافتني قالت عايزاكي. استغربت.. دي أول مرة تطلب الكلام بهدوء. قعدت قدامها وسكتت شوية، وبعدين قالت إنتي شايفة إن أنا السبب؟ بصيتلها وما جاوبتش، فكملت يمكن.. فعلًا أكون السبب. الجملة دي كانت صادمة؛ لأن الست دي عمرها ما اعترفت بغلط.. أبدًا! قالت وهي باصة في الأرض من يوم ما ابني اتولد وأنا نفسي في حفيد ولد، كنت فاكرة إن ده حق طبيعي، وكل ما حد يقولي بنت كنت أتضايق، وكل ما حد يجيب سيرة البنات كنت أحس إنهم أقل. سكتت ثم قالت لحد ما خسرت كل حاجة.
أول مرة أشوف الندم الحقيقي في عينيها، لكن الجرح كان أعمق من إن كلمتين يداووه.
في نفس الفترة التحقيقات وصلت لمرحلة حاسمة، وتم استدعاء أكتر من شخص، منهم قريب حماتي اللي كانت الأرض متسجلة باسمه، وبدأت الحقايق تظهر واحدة واحدة، واتضح إن جزء كبير من التصرفات المالية كان هدفه إخفاء أصول الشركة بعيد عن المراجعة. ولما ظهرت المستندات القديمة اللي بعتها الشريك السابق.. الصورة اكتملت.
جوزي قعد ساعات طويلة مع المحامين، وكان واضح إنه بيدفع تمن قرارات سنين كاملة.
في يوم
وأنا قاعدة في أوضة بنتي اللي كنت بجهزها، دخل جوزي. وقف عند الباب وبص للألوان الهادية والألعاب الصغيرة وقال بابتسامة حزينة أنا عمري ما دخلت الأوضة دي. قلت أيوه.. ولا حتى سألت بتجهزي إيه. سكت كنت غبي. ما علقتش؛ لأن الكلام ما بقاش مهم قد الأفعال. فقرب أكتر وقال لو رجع بيا الزمن.. كنت هختار بنتي من أول لحظة. الكلام كان صادق، لكن متأخر.. متأخر جدًا.
الشهور عدت وجاء يوم الولادة؛ اليوم اللي كنت مستنياه وخايفة منه في نفس الوقت. دخلت غرفة العمليات وأنا بدعي ربنا يقومني بالسلامة، وبعد ساعات طويلة.. سمعت أول صرخة.. صرخة صغيرة لكنها هزت قلبي كله.
الممرضة قربت مني وقالت بابتسامة مبروك.. جالكم أحلى بنوتة. دموعي نزلت فورًا.. الحمد لله.. الحمد لله إنها بخير.
برا غرفة الولادة.. كان جوزي واقف متوتر وخايف، ولما خرج الدكتور وقال إن الطفلة والأم بخير.. أول مرة من سنين شفته بيعيط.. عيط من قلبه؛ مش خوف ولا غضب، لكن ندم وفرحة وشكر. ولما شال بنته بين إيديه لأول مرة.. فضل يبصلها دقائق كاملة، وبعدين قال بصوت مبحوح سامحيني. ما حدش عرف يقصد مين؛ أنا؟ ولا بنته؟ ولا نفسه؟ يمكن التلاتة.
بعد الولادة بشهرين.. صدر القرار النهائي في القضية المالية. الشركة استمرت، لكن بعد إعادة هيكلة كاملة، وتم إبعاد كل الأشخاص اللي ثبت تورطهم في المخالفات، ومنهم أقارب كتير كانوا مستفيدين من الوضع. أما جوزي.. فخسر جزء كبير من نفوذه، لكن اتعلم درس عمره ما هينساه إن الطمع بيدمر، وإن الاستماع للأصوات الغلط ممكن يهدم بيت كامل.
أما ندى.. فطلبت الانفصال بهدوء ورجعت تكمل دراستها، وبدأت حياة جديدة بعيد عن كل الفوضى، ولأول مرة حسيت إنها أخدت فرصة حقيقية تبدأ من جديد.
ومع مرور الوقت.. البيت بقى أهدى، مش زي الأول؛ لأن بعض الكسور بتفضل آثارها موجودة، لكن على الأقل.. بقينا بنتعامل بصدق، من غير أقنعة ومن غير أوهام.
وفي ليلة هادية.. كنت قاعدة شايلة بنتي وجوزي قاعد جنبنا، البنت كانت نايمة على صدري، وبصيت لوشها الصغير وافتكرت اليوم اللي عرف فيه إنها بنت.. اليوم اللي دخل عليا فيه بعروسة جديدة.. وافتكرت قد إيه كنت مكسورة وقد إيه كنت خايفة. لكن ربنا كان شايل ليا طريق تاني.. طريق أصعب.. لكن أنضف وأقوى.
وجوزي بص لبنته وقال تعرفي؟ قلت إيه؟ ابتسم وهو بيبصلها دي أحسن حاجة حصلت في حياتي. ولأول مرة.. صدقته.
النهاية.