جـوزي غسـلي سـجاد الشـقة كـلها حكـايات مني السيد حصري

لمحة نيوز

كل حرف بقوله. الدهب ده حتت حديد وصفيح ملوش أي تلاتين لازمة لو إنت مش واقف وسطينا وبخير! دهب أمي الله يرحمها لو كان عايش كان أبويا فداك بيه، لأنك شلتني وصونتني وعاملتني بما يرضي الله. إنت راجلي وسندي، والراجل اللي يغسل سجاد مراته عشان تعبانة، ويشيل سر عيبه عن أهله سنتين عشان يحميني من لسان الناس، ويستحمل الإهانة عشان يجيبلي تمن علاجي، ده يتدفع له عمري كله مش شوية غوايش وخواتم! الدموع نزلت من عين طارق زي المطر، حماتي بصت على الدهب وبصت عليا، وابتدت شفايفها ترتعش، وشفت في عينيها لأول مرة ندم حقيقي، ندم من النوع اللي بيحرق الضمير ويصحي الإنسانية المدفونة تحت طبقات القسوة والغيرة. كملت كلامي مع طارق بحسابات عقلانية وهدوء الدهب ده يوزن يجي له حوالي تلاتين أو أربعين جرام، ومع الغوايش والخواتم وسلسلة أمي القديمة عيار واحد وعشرين، يعملوا في السوق النهاردة مبلغ محترم، يدوب يعدي الميتين وخمسين ألف بالراحة مع الفلوس اللي في البنك والجمعية. بس المعلم سيد عايز ربعمية ألف بالفوائد يا فاطمة! طارق قالها بوجع وقلة حيلة. وهنا حصلت المفاجأة اللي مكنتش متوقعاها أبدًا. حماتي وقفت على حيلها فجأة، وراحت ناحية طارق، ومدت إيدها وطبطبت على كتفه، وبعدين التفتت ليا، وعينيها مليانة دموع حقيقية، مش دموع تمثيل. قالت بصوت مكسور ومهزوز أنا اللي عليا الباقي يا بنتي... طارق بصلها بذهول أمي؟! حماتي نزلت راسها في الأرض، ومسحت دموعها بطرف طرحتها، وقالت وهي بتبصلي بخجل أنا كنت ست عمية، الغيرة عمت قلبي وحقدت عليكي عشان شفت ابني بيحبك أكتر مني، وشفت إنه شايلك على كفوف الراحة وكنت فاكرة إنك مستقوية عليه وواخداه مني... مكنتش أعرف إنك صايناه في عرضه وشرفه وسره ومرضه، وواقفة جنبه في الوقت اللي أنا كنت جاية أهد فيه بيته وأشمت فيه... حقك عليا يا بنتي، اضربيني بالجزمة، اقطعي لساني، بس متخلوش الغريب يدوس على ابني ولا يدخله الحبس. الست مشيت بخطوات سريعة ناحية باب الشقة، ونزلت شقتها اللي تحت، ورجعت بعد خمس دقايق بالظبط وفي إيدها كيس قماش قديم ودفتر توفير. حطت الكيس والدفتر على السفرة جنب دهبي، وفتحت الكيس، كان فيه كردان دهب قديم وتقيل جداً بتاع زمان، وغوايش بلدي عريضة كانت بتلبسهم في المناسبات. قالت وهي بتعيط بحرقة ده كرداني اللي شايلاه من ريحة المرحوم أبوك يا طارق، وده الدفتر فيه حوالي تمانين ألف جنيه شايلاهم لكفني ومصاريف موتي... خدوهم، خدوهم كلهم وسدوا بيهم للمعلم سيد حقه وفوايده، ولو مش هيكفوا، هروح لأعمامك بنفسي في البلد وهقف في وسط المضيفة وألم عليهم الناس وافضحهم لو مخلصوش بيعة الأرض بسعرها العادل في ظرف أربع وعشرين ساعة! طارق مقدرش يستحمل المشهد، ركع على ركبه قدام أمه ومسك إيديها يبوسها، وهي نزلت على ركبها قدامه وضمته لصدرها وبقت تبكي بصوت عالي سامحني يا ضنايا، سامحني يا قلب أمك، كنت هدمرك بإيدي وبغبائي... المشهد ده كان كفيل يمسح كل نقطة مرار وسواد عشتهم في الساعات اللي فاتت. بصيت للسجاد اللي كان لسه مفرود في البلكونة والمية بتنزل منه، وافتكرت قد إيه البيت ده كان ممكن يتخرب وينتهي في غمضة عين بسبب سوء ظن وكلمة اتقالت في ساعة غضب، لكن ربنا أراد إن الحقيقة تظهر عشان تلم الشمل وتكشف معادن الناس الحقيقية. مضعناش دقيقة واحدة. طارق قام غسل وشه، ومسح دموعه، ولبس هدومه الناشفة، ولمينا الدهب والدفتر كله، ونزلنا إحنا التلاتة على الصاغة. بعنا الدهب اللي معانا، وطلع المبلغ كامل، ومع فلوس الدفتر كان معانا الربعومية ألف جنيه بالمليم. رحنا على معرض المعلم سيد فضل، وأول ما دخلنا وشافنا وشاف حماتي داخل معايا ومع طارق، وشه اتغير وبدأ يتعامل بنبرة تهديد وغلظة أهلاً يا باشمهندس طارق، خير؟ افتكرت إن عندك ميعاد ولا جاي تتلكك؟ طارق متهزش، وقف وقفة راجل مكسور بس رافع راسه، وحط الشنطة اللي فيها الفلوس كلها على المكتب قدامه وقال بصوت قوي وثابت ميعادنا كان إمبارح واتاخرت عليك أربع وعشرين ساعة يا معلم، حقك عليا، بس فلوسك كلها كاش قدامك أهي، ربعمية ألف جنيه كاملين مكملين فوايد وتأخير، وهاتلي شيكاتي ووصولاتي دلوقتي حالاً! المعلم سيد بص للفلوس بذهول، مكنش متوقع إن طارق هيعرف يدبر المبلغ ده في السرعة دي، وكان عينه على الأرض اللي في البلد وناوي يحبسه عشان يضغط عليه ويتنازل عنها بتراب الفلوس. عد الفلوس على مهله، ولما لقاها كاملة، ملقاش مفر غير إنه يفتح الخزنة ويطلع الورق كله ويسلمه لطارق. طارق مسك الورق، وبص فيه ورقة ورقة عشان يتأكد من إمضته، وقدام عين المعلم سيد، ولع كبريت وحرق الشيكات والوصولات كلها لحد ما بقت رماد في الطفاية اللي على المكتب. خرجنا من المعرض وإحنا بنتنفس حرية، الهوا اللي في الشارع كان له طعم تاني خالص، طعم النجاة من مهلكة حقيقية. رجعنا البيت وإحنا منهكين تمامًا، بس قلوبنا كانت صافية ومستريحة. حماتي مسكت إيدي وهي طالعة على السلم، وقالتلي بصوت حنين عمري ما سمعته منها اطلعي ارتاحي يا بنتي، وإياكي تمدي إيدك على عود كبريت في الشقة، من هنا ورايح إنتِ بنتي اللي مخلفتهاش، ومصاريف عمليتك وعلاجك كلها عليا أنا، وهبيع باقي دهبي وهخدمك بعيني لحد ما تقومي بالسلامة وترجعي تنوري بيتك. بصيت في عينيها وابتسمت من قلبي، وحضنتها حضن طويل حسيت فيه بدفا مكنتش حاسة بيه من سنين. الأسبوعين اللي بعد كده عدوا زي الحلم، حماتي كانت بتطلع كل يوم شقتنا تطبخ وتنضف وتجيب العلاج، وكل كلمة تطلع من بوقها كانت دعوة حلوة ليا ولطارق. وأعمام طارق لما حماتي نزلتلهم البلد وعملت قعدة رجالة ولمت كبارات العيلة، خلصوا بيعة الأرض وادوا لطارق حقه كامل تالت ومتلت، ورجعنا لحماتي فلوس الدفتر وجبنالها كردان أحسن من اللي باعته كمان. وجيه يوم العملية. كنت داخلة العمليات وأنا مش خايفة خالص، لأن طارق كان ماسك إيدي اليمين، وحماتي كانت ماسكة إيدي الشمال وبتقرأ لي آية الكرسي في ودني. شفت جوزي وهو بيبتسم لي ابتسامة مليانة أمل، وقالي قبل ما البنج يشتغل هتقومي يا فاطمة، وهنبدأ سوا من جديد، والبيت اللي سنده الحب مبيقعش أبدًا. العملية نجحت الحمد لله، وشالوا الورم بالكامل والدكتور طمنا وقال مفيش أي أثر خبيث وكل حاجة رجعت طبيعية، وبعد سنة كاملة من العلاج والمتابعة، حصلت المعجزة اللي الطب قال عليها مستحيلة. ربنا عوض صبرنا وطيب خاطرنا، والدكاترة اللي قالوا طارق مبيخلفش وقفوا مذهولين قدام نتيجة التحاليل اللي أثبتت إني حامل في توأم، ولد وبنت. النهاردة، وأنا قاعدة في البلكونة في نفس المكان، ببص على طارق وهو شايل ولادنا الاتنين وبيلعب معاهم، والسجاد مفروش في الصالة نضيف وبيلمع، وحماتي قاعدة جنبنا بتشرب الشاي وبتضحك من قلبها، أدركت إن المحن مبتبقاش دايمًا غضب من ربنا، ساعات المحنة
بتبقى هي الطريقة اللي ربنا بيغسل بيها قلوبنا من الغل، ويصحي بيها مشاعرنا، ويثبتلنا إن اللي مبني على الأصل الطيب والجدعنة... عمره ما ينهد. النهاية

تم نسخ الرابط