جـوزي غسـلي سـجاد الشـقة كـلها حكـايات مني السيد حصري
المحتويات
والمهلة خلصت إمبارح! الكلمة وقعت على وداني كأن سقف البيت كله اتهد فوق دماغي. شيكات وكمبيالات؟ والمهلة خلصت إمبارح؟ حسيت الدنيا بتلف بيا، وكل الأصوات اللي في الصالة تلاشت فجأة ومبقاش مسموع غير صوت أنفاسي العالية وصوت دقات قلبي اللي بتضرب في صدري زي المرزبة. بصيت لإيد طارق اللي ماسكة إيدي، لقيتها بتترعش بطريقة تفجع، راجل بطوله وعرضه، اللي كان واقف يغسل السجاد بكل رضا عشان ما يخلينيش أمد إيدي على حاجة، واقف قدامي دلوقتي ضهره محني والدموع مغرقة عينيه وخايف من بكرة كأنه عيل صغير تايه في زحمة. حماتي وقفت متسمرة مكانها، الصدمة شلت لسانها، عينيها عمالة تروح وتيجي بيني وبين طارق، مش قادرة تستوعب اللي سمعته. ابنها حبيبها، سندها، اللي كانت بتعايره عشان بيساعد مراته، بيعترف في وشها إنه هو اللي عنده العيب وإنه هو اللي مبيخلفش، وفوق كل ده غرقان لشوشته في ديون وشيكات مهدداه بالحبس عشان ينقذ مراته. السكوت كان تقيل ومخنوق، يقطع النفس، لحد ما حماتي بلعت ريقها بصوت عالي، وصوتها طلع مخنوق ومرعوب لأول مرة شيكات إيه يا طارق؟! كمبيالات لمين يا ابني؟! إنت اتجننت في عقلك؟! هتودي نفسك في داهية عشان إيه؟! عشان مصاريف عملية؟! هي الدنيا جرى فيها إيه؟! طارق ما بصلهاش، فضل باصص في عيني أنا، كأنه بيهرب من عتابها لنظرة عتابي اللي كان مستنيها، لكن أنا والله العظيم ما كان في قلبي ذرة عتاب واحدة، كان قلبي بيتقطع عليه حتت. الوجع اللي كان في صدري ساعتها مكنش وجع مرضي ولا وجع ورم محتاج يتشال، كان وجع روحي على الراجل اللي شال عني هم الدنيا لحد ما ضهره انكسر ومارضيش حتى يشاركني الوجع عشان ميزودش همي. قربت منه خطوة، ورغم الرعشة اللي في جسمي والضعف اللي مالي عضمي، مديت إيديا الاتنين ومسكت وشه بين كفوفي، ومسحت دموعه بإبهامي، وبصيت في عينيه وقلت بصوت بيحاول يطلع قوي ومتماسك عملت في نفسك كده ليه يا طارق؟ ليه تشيل الحمل ده كله لوحدك؟ هو إحنا مش اتعاهدنا من أول يوم إن الحلوة لينا والمرّة علينا سوا؟ ليه تروح للتهلكة برجليك من غير ما تقولي يا قلبي؟ طارق انهار تمامًا، حط راسه على كتفي وعيط، عياط راجل حبس دمعته شهور طويلة، عياط واحد كان ماشي في طريق مسدود ولقى نفسه في آخره ومفيش مفر كنت هعمل إيه بس يا حبيبتي؟ الدكتور قال لازم العملية تتعمل فورًا، وأي تأخير يوم واحد خطر على حياتك، المستشفى طلبت مبلغ خيالي، الحساب في البنك كان يدوب يغطي ربع المصاريف، وطلبت سلفة من الشغل ورفضوا، رحت للبنوك طلبوا ضامن وإجراءات هتاخد شهور وإنتِ مكنش عندك وقت يستحمل شهور! كنتي بتموتي قدامي بالبطيء كل ليلة ومستحملة عشان متقلقنيش، أعمل إيه؟! أسيبك تروحي مني وأنا واقف أتفرج عشان خايف على نفسي؟! أقسم بالله لو رقبتي هتطير قصاد إنك تخفي وتعيشي، ما كنت هتردد لحظة واحدة! حماتي قعدت على أقرب كرسي ورجليها مش شايلاها، وشها اللي كان مليان كبرياء وغرور وتجبر من نص ساعة، بقى شاحب ومصفر زي الورقة الدبلانة. مسكت صدرها وبقت تنهج مين يا طارق؟ مين اللي مضيتله على الورق ده؟ انطق يا ابني وريح قلبي، الحبس مش بالساهل، ده اسم عيلة وشرف راجل هيضيع! طارق رفع راسه من على كتفي، ومسح وشه بإيده المبلولة، وبصلها بمرارة وحرقة المعلم سيد فضل، بتاع معرض العربيات اللي في أول الشارع... هو اللي وافق يديني المبلغ كاش في ساعتها، بس شرط عليا أكتب وصولات أمانة وشيكات على بياض بمبلغ ضعف اللي خدته، ووعدته إني هسددهم أول الشهر ده، وكنت معتمد إني هبيع حتة الأرض اللي ورثتها من أبويا في البلد... بس لما نزلت البلد من كام يوم، عمامي وقفولي في البيعة وقالوا مش هتبيع إلا لما تدينا حق الشفعة وبنص التمن، والوقت جري مني وملقتش حد يقف جنبي! حماتي شهقت ولطمت على خدها براحة سيد فضل؟! ده قاسي ومبيرحمش يا طارق! ده كان حابس ابن الحاج جابر عشان خمسين ألف جنيه مجابهومش في ميعادهم! ده راجل مبيعرفش ربنا في الفلوس! أنا مسكت في إيد طارق أكتر، وحسيت فجأة بقوة عمري ما حسيت بيها في حياتي. أوقات الشدة الحقيقية، الست بتلاقي جواها طاقة تحارب بيها الدنيا كلها عشان تحمي بيتها وجوزها، مبقاش في وقت للعياط ولا للضعف، ولا حتى وقت للخوف من المرض. بصيت لطارق وقلت بحزم المبلغ اللي خده كام بالظبط يا طارق؟ طارق بص في الأرض ومردش، أعدت سؤالي بصوت أشد طارق! بص في عيني وقولي، المبلغ كام من غير لف ودوران؟ ميتين وخمسين ألف جنيه يا حبيبتي... والمفروض أرجعهم ربعمية ألف بالفوائد اللي حطها، والوصولات اللي معاه بأربعمية ألف. الرقم كان كبير، كبير جداً على اتنين موظفين عايشين على قدهم، لكن مفيش حاجة في الدنيا أكبر من ستر ربنا، ولا حاجة أغلى من حرية الراجل اللي مستعد يفديني بروحه. حماتي حطت إيديها على راسها وبقت تهز في جسمها وتقول يالهوي يا ابني، يالهوي على حظك، طب نجيب منين ربعمية ألف في يوم وليلة؟ ده إحنا لو بيعنا عفش البيت كله مش هيكمل ميت ألف! وأعمامك في البلد كلاب فلوس مش هيطلعوا مليم إلا لما يلووا دراعك! بصيت لحماتي نظرة طويلة، نظرة كانت كفيلة تخليها تنزل عينيها في الأرض ومتقدرش تحط عينها في عيني. الست اللي كانت من شوية بتقول لابنها ارميها لأهلها وداخلي عملية ومش مضمون تعيش، بقت دلوقتي قاعدة مكسورة بتستنجد بأي أمل عشان ابنها ميتحبسش. لكن أنا مكنتش عايزة أشمت، ولا ده طبعي ولا دي تربيتي، وبدل ما أعاتبها، لفيت وشي ومشيت ناحية أوضة النوم بخطوات ثابتة وسريعة. طارق نادى عليا وهو مخضوض رايحة فين يا فاطمة؟ رايحة فين وسيباني؟! مدخلتش في جدال معاه، دخلت الأوضة، فتحت الدولاب من تحت، وطلعت علبة الصاج القديمة اللي كانت شايلاها من يوم جوازنا، العلبة دي كان فيها دهبي كله، شبكتي، وسلسلة مامي الله يرحمها اللي كانت سايباهالي ذكرى، والغوايش اللي أبويا كان مجمعهملي مليم على مليم من شقاه في الغربة عشان يجوزهملي بيهم، ومعاهم شوية فلوس جمعية كنت بقبضها كل شهر ومحوشاها للزمن والزنقة. شلت العلبة في إيدي، وطلعت الصالة وحطيتها على ترابيزة السفرة قدام طارق وحماتي ورزعتها بقوة خلتهم الاتنين يتفاجئوا. فتحت العلبة قدامهم، الدهب كان بيلمع تحت نور النجفة. طارق برقت عينيه ورجع لورا برفض قاطع لأ يا فاطمة! لأ يا حبيبتي، دهب مامتك الله يرحمها مش هيمس! دهبك وشقاكي وشبكتك أنا مش همد إيدي عليهم! أنا اتفضح واتحبس ولا إني أكسر نفسك وأمد إيدي على دهبك عشان أسدد ديوني! قربت منه، ومسكت ياقة قميصه المبلول، وبصيت في عمق عينيه وقلت بصوت حاسم يزلزل الحيطة اسمعني كويس يا طارق، وركز في
متابعة القراءة