خطيبي قالي حكايات بسمة
وفي اليوم الثالث، حصل شيء غيّر قراري بالكامل. كنت عند مروان في البيت، ووالدته الحاجة سهير كانت في المطبخ، فسمعت صوتها وهي بتتكلم مع مروان: — هي وافقت؟ — لسه. — يبقى استعجل. — هتوافق. — وإنت متأكد من موضوع مرتبها؟ — طبعًا. وقفت مكاني، ثم سمعت والدته تضحك وتقول: — أول ما مرتبها ينزل في حساب البيت، هنخلص موضوع الشقة. تجمدت وسألت نفسي: موضوع الشقة؟ مروان رد: — الشقة محتاجة تشطيب، وفلوسها هتكفي. قالت سهير: — وبعدها مرتبها يبقى معاك. — مش معاها، معانا. ثم ساد صمت قصير، وسمعت والدته تقول: — المهم ما تعرفش إن القرض باسمها. اتسعت عيني بصدمة: قرض؟ باسمي أنا؟ مددت إيدي ناحية الباب، لكن قبل ما أفتحه، سمعت مروان يقول: — متقلقيش يا أمي. بعد الجواز هتوقع على كل حاجة من غير ما تسأل. وقتها فهمت إن موضوع مرتبي ما كانش أصلًا أكبر مشكلة، كانوا محتاجين توقيعي! والسؤال اللي ما كنتش أعرف إجابته وقتها: مروان كان ناوي يخليني أوقّع على إيه بالضبط؟
استجمعت ندى أنفاسها المكتومة، وخطت خطوة للوراء بعيداً عن الباب دون أن تصدر أي صوت، والدموع تحترق في عينيها. لم تكن الصدمة فقط في استغلال مروان وأمه لمرتبها، بل في المخطط الشيطاني المحبوك لاستنزاف اسمها وتوريطها في قروض مالية ضخمة دون علمها ليأخذوا الفضل ويكتبوا الملكية بأسماء أخرى. لم تصرخ ندى ولم تفتح الباب لتواجههما بانفعال؛ بل انسحبت بهدوء شديد وخرجت من المنزل دون أن يشعر بها أحد.
في صبيحة اليوم التالي، بدأت ندى تحرياتها بعقلانية وبحسها الهندسي الدقيق، واستعانت بأحد محامي الشركة التي تعمل بها، وراجعت كافة الأوراق والتوكيلات المبدئية التي كان مروان قد طلب منها توقيعها سابقاً بحجة إنهاء إجراءات حجز شقة الزوجية والأنظمة البنكية. لتكتشف الصدمة الكبرى: مروان كان يجهز أوراق طلب قرض استثماري وتسهيلات بضمان كشف حسابها ومفردات مرتبها المهندسة المرتفعة، لتمويل تشطيب شقة والدته الخاصة وتسديد ديون سابقة على شركته، مع إبقائها هي المسؤولة القانونية الأولى أمام البنك.
في مساء ذلك اليوم، دعت ندى مروان ووالدته سهير إلى منزل أسرتها بحجة حسم الترتيبات النهائية للفرح. حضر مروان وأمه بابتسامات عريضة ونظرات انتصار، ظانين أن ندى استسلمت لضغوطهم وستوقع الأوراق. جلس الجميع حول السفرة، ففتحت ندى حقيبتها الجلدية وأخرجت ملفاً أسود ألقته بصلابة وثبات في منتصف الطاولة، وقالت بصوت حاد، بارد، وواثق هز الجلسة بأكملها: — اتفضل يا مروان… أدي الملف والقرض اللي كنتوا بتخططوا تلبسوهوني من ورا ضهري باسمي وبمفردات مرتبي عشان تكسروا عيني وتطلبوا مني أدفع ثمن تشطيباتكم وديونكم!
سهير ومروان وشهما اتسحب منه الدم تماماً وصارا كالجثة. قام والد ندى واقفاً بذهول وغضب، وأمسك بالملف وقرأ تفاصيل طلب القرض والتوكيلات المزورة التي كان يعدها مروان، وصرخ بصوت هز أركان الشقة: — بتقول أنا هكون الراجل يا مروان؟! الراجل اللي بيبني بيته بشرطه وأصله، مش اللي بينصب على خطيبته وبيستغل اسمها ومرتبها من ورا ضهرها بعلم أمه؟!
مروان حاول أن يتلعثم ويرتبك ويصنع المظلومية: — يا عمي اسمعني! ده كان مجرد ترتيب مالي وهنرجع الفلوس من أرباح الشركة! قاطعته ندى بصرامة وكرامة قاطعة هزت الصالة: — أنا المهندسة ندى… اللي بنيت نفسي بفضل الله وعرقي في 5 سنين. والراجل الحقيقي هو اللي بيصون مراته وبيحميها، مش اللي بيشوفها مجرد دفتر شيكات وتوقيع! الشبكة والهدايا هترجعلك فوراً، والجوازة دي ماتت وانتهت للأبد!
أُنهيت الخطوبة فوراً، وتم فسخ كافة الترتيبات، مع تحضر محضر إثبات حالة لمنع استخدام أي توكيلات أو مفردات مرتب سابقة. انكشفت حقيقة مروان وأمه أمام جميع الأقارب والمعارف، وسقطت أقنعة التعالي والرجولة المزيفة التي كان يتبجح بها، ليواجه ديونه ومشاكله المالية بمفرده دون استغلال لأحد. أما ندى، فقد واصلت نجاحها الباهر في عملها الهندسي، واستكملت بناء مستقبلها بكرامة، وراحة بال، ورأس مرفوعة للسماء. اتعلمت ندى واتعلم الجميع أن الرجولة ليست قرارات تسلطية أو استغلالاً مالياً، وأن الكرامة والوعي والنية الصافية هي الدرع والحصن الحقيقي الذي ينصر الله به صاحبها ويحميه للأبد.