عامل بسيط حكايات بسمة
على ضهرك وشيلته كيلومترات لحد ما وصلته للمستشفى واختفيت؟ جابر اتجمد مكانه والذكرى رجعت له في ثانية وقال أيوه... فاكر. الراجل ده كان بتنفس بالعافية وما كانش معاه بطاقة ولا حد يعرفه. رجب مسك إيديه بقلة حيلة وقال الراجل ده كان أنا يا جابر... أنا اللي إنت أنقذت حياته من 15 سنة وما لحقتش أشكرك ولا أعرف اسمك. ولمّا جيت اشتغلت عندي هنا من سنتين أنا ما عرفتكش في الأول لأن السنين غيرت ملامحك... لكن لما محمود قال لي أمس إنك بتشتري اللبن والأكل من جيبك للحاجة فاطمة ومستعد تضحي بشغلك عشان وعد، افتكرت النخوة دي، ودورت في أوراقك القديمة في الملف وعرفت إنك إنت نفس الشخص! جابر بلع ريقه بذهول، وقبل ما ينطق بأي كلمة الباب اتفتح بعنف! دخل محمود شاب المزرعة نفسه مقطوع ووشه أصفر وقال يا عم جابر! يا حاج رجب! الحقوا... بيت الحاجة فاطمة فيه بوليس وعربيات حراسة كبيرة واقفة قدام الباب! جابر اتفضد وقام جرى زي المجنون ورجب جرى وراه.
وصل جابر لبيت الحاجة فاطمة ولقى المنطقة مقلوبة حراسة شديدة ورجال ببدل رسمية، وعلى الكرسي الهزاز قدام الباب كانت الحاجة فاطمة قاعدة تبكي ومربوكة، وجنبها الراجل صاحب البدلة اللي كان ماسك الملف. جابر جرى عليها ونزل على ركبتيه وقال حاجة فاطمة! خير يا أمي؟! فيه إيه؟ وسعاد فين؟!. الراجل صاحب البدلة قرب من جابر وقال بنبرة جادة وصارمة إنت جابر عبد الرحمن؟ أيوه أنا! إنتوا مين؟ وسعاد جرى لها إيه؟!. الراجل طلع كارنيه رسمي وأوراق موثقة وقال أنا المستشار مراد، المحامي الخاص بشركة الهلالي للمقاولات بالقاهرة. سعاد هانم في المستشفى تحت حراسة مشددة دلوقتي، بعد ما اتعرضت لمحاولة مسمومة في غرفتها!. جابر صرخ بصدمة مسمومة؟! مين يعمل كده في ست مريضة بالسرطان؟!. المستشار مراد بص للحاجة فاطمة وبعدين بص لجابر وقال سعاد هانم مش مجرد مريضة يا جابر... سعاد هانم هي المالك الشرعي ل 60 من أسهم مجموعة الهلالي بعد وفاة والدها. وطوال السنة اللي فاتت، طليقها وقرايبه من العيلة كانوا بيهربوا الأصول وبيحاولوا يقنعوا الكل إنها ماتت أو غير قادرة على الإدارة عشان يستولوا على الشركة وتركة أختها وأمها الحاجة فاطمة! كمل المستشار مراد بصوت هز المكان سعاد لما علمت بوجودك مع أمها طوال الشهور دي، وأنك صاين سرها وبيتها وواقف جنبها من غير ما تعرف هي مين ولا معاها إيه... كشفت لنا مكانها الحقيقي وادتنا التوكيل عشان نتحرك ونقبض على العصابة اللي كانت بتراقبها! والشرطة ألقى القبض على طليقها متلبس بمحاولة الاغتيال والتزوير قبل ساعتين!.
الحاجة فاطمة مسكت إيد جابر بدموع ونحيب وقالت بنتي سعاد نجت يا جابر... الدكاترة ألحقوها وغسلوا معدتها، وهي صحيت وأول كلمة قالتها كانت طمنوا جابر... قولوله إن ربنا بعته يوفي بالوعد ويحمينا. جابر قعد على الأرض مش قادر يستوعب حجم السر والترتيب الإلهي العجيب اللي حصل. الحاج رجب كان واقف وراه حط إيده على كتف جابر وبكى بصدق وقال سامحني يا جابر... أنا كنت غبي وعميتني الشكوك، وما كنتش عارف إن تحت إيدي راجل بسواهم كلهم.
بعد مرور ستة أشهر، البيت الصغير جنب شجرة الجوافة بقى مليان روح وحياة. سعاد تعافت تماماً بعد إجراء عملية ناجحة في الخارج وتماثلت للشفاء ورجعت لإدارة شركتها وأصول عيلتها بكرامة وقوة، والحاجة فاطمة كانت قاعدة على كرسيها الهزاز وبسطتها ابتسامة رضا كبيرة. أما جابر فلم يعد مجرد عامل بسيط في المزرعة؛ سعاد والحاجة فاطمة عينوه المدير التنفيذي والمسؤول الأول عن إدارة الأراضي والمشاريع الخيرية التابعة لمجموعة الهلالي في البحيرة براتب ومكانة تحفظ كرامته وتصون أمه المريضة في المنيا. وفي يوم دافي كان جابر واقف مع الحاج رجب في المزرعة بيشرفوا على توزيع ألبان ومحاصيل المزرعة مجاناً على بيوت الفقراء في القرية، فابتسم الحاج رجب وقال لجابر الجنيه والليتر اللي بيتدفعوا في طريق الخير يا جابر... ربنا بيردهم جبال من الفضل والستر. رد جابر بابتسامة راضية وهادئة الحمد لله يا حاج... الصدق والجدعنة هما التجارة الوحيدة اللي عمرها ما بتخسر. وعاش جابر مرفوع الرأس محاطاً بحب الناس ورضا الحاجة فاطمة، بعد ما ثبت للجميع إن اليد اللي بتمتد بالخير في الخفاء... ربنا بيجازيها بالنور والعز أمام الدنيا كلها.