عامل بسيط حكايات بسمة

لمحة نيوز

كتير بتحب تألف حكاية عن غيرها، وتصدقها، وتنشرها من غير ما تقرب وتسأل. في اللحظة دي ظهرت الحاجة فاطمة عند باب البيت وقالت بنتي كانت بتدعي كل ليلة إن ربنا يبعت حد يقف جنبي وهي في المستشفى وبعدين ربنا بعتك. جابر ماكانش راجل متدين قوي، لكن الكلمة فضلت جوه قلبه.
بعد تلات أيام سعاد اضطرت ترجع المستشفى، وقبل ما تركب العربية دورت على جابر ولقته واقف جنب السور وقالت مش عارفة هقعد قد إيه المرة دي ممكن تكمل تيجي لأمي؟ جابر رد من غير تفكير طول ما أنا موجود هنا مش هتبقى لوحدها. مسكت إيده وقالت ربنا يخليك. لكن واحد من عمال المزرعة، شاب اسمه محمود، كان شايفهم من بعيد، وفي نفس اليوم الحاج رجب سأله جابر بيروح فين كل يوم؟ محمود اتردد وبعدين قال بيت الحاجة فاطمة.
تاني يوم الحاج رجب راقب جابر بنفسه وشافه بيعدي السور ومعاه زجاجة مليانة، وبعد حوالي نص ساعة رجع والزجاجة فاضية. استناه عند الحظيرة وقال بغضب إنت بتسرق اللبن كمان؟ جابر رد بهدوء مش سرقة يا حاج لتر واحد بس. الحاج رجب اتعصب إنت اللي تقرر سرقة ولا مش سرقة؟ جابر نزل عينه وقال معاك حق. كان لازم أطلب إذنك. قال رجب مش هتاخد أي حاجة تاني وكمان ماتروحش البيت ده. جابر رفع عينه وقال ليه؟ لأن ده وقت شغلك. حاضر. ولو شوفتك هناك تاني هترفد. جابر سكت؛ هو محتاج الشغل، وكل شهر كان بيبعت جزء من مرتبه لأمه في المنيا التي كانت بتاخد أدوية غالية، ولو خسر شغله اتنين هيبقوا من غير فلوس أمه والحاجة فاطمة. قعد طول اليوم يفكر، وفي آخر اليوم راح عند بقال القرية عم حسن واشترى من فلوسه لبن، رز، فول، معلبات، وحاجات تكفي فاطمة كام يوم وخد الفاتورة. وتاني يوم صحى الساعة أربعة الفجر راح لها وساب الحاجة عند الباب ورجع الشغل قبل الميعاد. عمل كده يوم واتنين وأسبوع وأسبوعين. الحاج رجب لاحظ إن جابر بقى ملتزم مافيش تأخير ومافيش نقص في اللبن، لكن كان لسه غاضب مش عشان اللبن، بل عشان جابر اختار يعمل حاجة الحاج قال له ما يعملهاش. في الآخر محمود ماقدرش يسكت وقال للحاج رجب جابر مش بياخد حاجة من المزرعة بيشتري كل حاجة من جيبه.
وفي اليوم التالي، الحاج رجب استدعى جابر قدام العمال وقال هسألك سؤال واحد هتبطل تروح البيت ده؟ جابر حط مجموعة فواتير على الترابيزة وقال أنا محتاج الشغل ده يا حاج. وأمي محتاجاني. أنا عارف إني غلطت لما أخدت اللبن من غير إذن، وعارف إني اتأخرت عن الشغل، بس أنا صلحت الاتنين. الحاج رجب قال يبقى اسمع الكلام. جابر هز راسه وقال هسمع كلامك في شغلي لكن مش هسيب الحاجة فاطمة. بنتها مريضة وبتقضي شهور في المستشفى، وأنا وعدتها إني مش هسيب أمها لوحدها. الحاج رجب قال بعصبية والوعد ده أهم من شغلك؟ جابر رد لو تنفيذ الوعد هيكلفني شغلي هتحمل النتيجة. الحاج رجب سكت فترة طويلة وأخيرًا قال بكرة تعالى المكتب قبل ما تبدأ شغلك. جابر خرج والعمال كلهم بصوا لبعض، الكل فهم إن الكلام معناه إن الحاج رجب قرر يرفده.
لكن اللي محدش كان يعرفه إن في نفس الليلة، عربية سوداء وقفت قدام بيت الحاجة فاطمة ونزل منها راجل لابس بدلة وطلع ظرف من جيبه وسأل هنا عايشة الحاجة فاطمة الهلالي؟ الراجل ماكانش عامل ولا دكتور ولا حد من أهل القرية، وكان ماسك في إيده ورقة عليها اسم واحد بس جابر عبد الرحمن. وقبل ما يمشي قال للحاجة فاطمة جملة خلت وشها يشحب أنا جاي عشان أقولك إن سعاد مش راجعة المستشفى المرة دي لأن فيه حد حاول يقتلها. أما جابر فكان لسه في طريقه لمكتب الحاج رجب، وماكانش يعرف إن قرار طرده من الشغل هيكون أقل مصيبة في اليوم ده، لأن الحاج رجب كان مخبي عنه هو كمان سر، والموضوع كله بدأ من سنين يوم ما جابر نفسه أنقذ حياة شخص ماكانش يعرف إنه هيظهر في حياته من جديد.
عم جابر كان ماشي في طريقه لمكتب الحاج رجب خطواته ثقيلة وأفكاره متلخبطة، كان راضي بقضاء ربنا ومستعد لأي قرار. أول ما فتح باب المكتب لقى الحاج رجب قاعد ورا مكتبه الخشب الكبير، وعلى غير العادة ملامح القسوة والصرامة كانت اختفت وحل محلها ذهول وشرود عجيب. وقف جابر قدامه بثبات وقال أنا جاهز لأي قرار يا حاج رجب. لو حضرتك شايف إني ما أنفعش هنا، أنا همشي ورزقي على ربنا. الحاج رجب رفع عينه ببطء وبص لجابر بنظرة مليانة حسرة وندم، وطلع من درج المكتب ملف قديم أوراق أصفرت من السنين وحطه على الترابيزة وقال اقعد يا جابر... الكلام اللي هنقوله النهاردة أبعد بكتير من لتر لبن أو تأخير عن الشغل. جابر استغرب وقعد وقال خير يا حاج؟ رجب اتنهد بصوت حاد وقال من 15 سنة... لما كنت إنت لسه شاب صغير وبتشتغل في أراضي المنيا، فاكر لما حادثة قطار حصلت هناك، وإنت نزلت وسط المية والحديد المكسور وسحبت راجل مصاب
تم نسخ الرابط