رجعت من السفر فجأه

لمحة نيوز

بعد ما شغله فشل، نهى خدت سيطرة مطلقة على فلوسهم. وقنعت إن بيت محمود وكريمة هو شبكة الأمان المالي الوحيدة لهم، وأكدت له إن علي في الآخر هيقنع أهلهم يبيعوا البيت ويسبوا طارق من غير حاجة.
قال طارق وصوته مكسور هي بدأت تحول شيكاتك الشهرية لحساب شركتها عشان تغطي ديون شغلي القديمة. أنا حاولت أمنعها الشهر اللي فات، بس فكرتني إن اسمي متورط في كل الإقرارات الضريبية المزورة اللي عملتها.
سأل علي إنت جاهز تصلح الغلط ده يا طارق؟
طارق رفع عينه ودموعه نازلة إزاي؟
بانك تقول الحقيقة كاملة النهاردة بالليل. مفيش كدب ولا هرب تاني.
العشا بدأ الساعة سبعة ونص.
كريمة طبخت صينية لحمة بالخضار بالطريقة التقليديةنفس الأكلة اللي كانت بتعملها لعشا العيلة يوم الأحد من سنين. ولأول مرة من شهور، قعدت على راس ترابيزة السفرة الخشبية الكبيرة. ومحمود قعد جنبها على كرسيه المصنوع بحفر اليد.
دخلت نهى وهي مكشرة كنت فاكترة ده اجتماع عائلي سريع قبل ما علي يسافر.
علي حط شنطته الجلد السوداء على الترابيزة وفتح السوستة ده فعلاً شأن عائلي. بس معانا ضيوف.
فريدة دخلت غرفة السفرة، ووراها أم أحمد الجارة ومحاسب قانوني ومراجع حسابات.
نهى قامت وقفت فوراً إيه اللي بيحصل هنا ده؟!
علي طلع ملف مراجعة تخين من شنطته وفرده على الترابيزة.
في الأول جه كشف الحسابات البنكية اللي بتثبت الأربعين ألف جنيه اللي كان ببعتهم كل شهر، وبعدها التحويلات التلقائية لشركة نهى الخاصةبإجمالي أكتر من خمسمائة ألف جنيه مسروقة.
قالت نهى وهي بتشاور على جوزها بعصبية طارق هو اللي عمل التحويلات دي!
صححت فريدة بهدوء بعضها. بس اتنين وثلاثين توقيع إلكتروني تم تنفيذهم من عنوان الإنترنت الشخصي بتاعك يا مدام نهى.
وعلي طلع توكيل محامي مزور من الصندوق وعندنا ده كمان. توقيع أبويا تم تحليله الصبح بدري. التوقيع ده مزور تماماً.
نهى حطت إيديها في وسطها وضحكت بسخرية محمود وقع ده قدامي! هو بس بيكبر وبيخرف وناسي!
مدت كريمة إيديها جوه شنطتها وطلعت دفتر صغير قديم ومستهلك. وحطته على الترابيزة.
ثقة نهى اتهزت.
قالت كريمة بصوت واضح وثابت ملا البيت كله ممكن أكون كبرت يا نهى، بس أنا كتبت دفتري الخاص. لمدة أحد عشر شهر، كنت بكتب كل جنيه إنتِ اديتيه لنا، وكل مرة خدتي فيها كروت الفيزا، وليلة ما طردتينا من أوضتنا، وكل ورق ضغطتي على جوزي عشان يوقعه.
فتحت الدفتر على صفحة متعلمة عندي التواريخ، والأوقات، والمبالغ. وأنا عارفة كويس إحنا اتقاملنا إزاي في بيتنا.
نهى التفتت لجوزها بجنون قولهم يا طارق! قولهم إني كنت بحاول بس أدير أملاك عيلتك الملخبطة!
خد طارق نفس عميق ومرتجف. وبص لأمه، وبعدين لأبوه، وفي الآخر لمراته.
قال طارق بصوت هادي لأ يا نهى. أنا استخدمت فلوس أمي وأبوي عشان أغطي ديوني. وفضلت ساكت وأنتِ بتزقيهم للمخزن. كنت جبان. بس أنا خلصت كدب عشانك.
الصوت في غرفة السفرة كان هادئ لدرجة مرعبة.
قدمت فريدة خطوة وحطت إنذار قانوني على الترابيزة يا مدام نهى، هينزل بكره الصبح بلاغات جنائية ومدنية رسمية لنيابة إسكندرية بتهمة استغلال واستنزاف كبار السن مالياً، والسرقة الكبرى، وتزوير الأوراق. قدامك أربع وعشرين ساعة تلمي حاجاتك الشخصية وتسيبي البيت ده.
نهى بصت في الأوضة وفهمت إن سيطرتها اختفت تماماً. ومن غير ولا كلمة، لفت وطلعت تجري على فوق.
بعد يومين، نهى سابت البيت نهائي. وطارق قرر يمشي هو كمان، ونقل لشقة صغيرة جنب شغله الجديد في شركة مواد بناء محلية.
محمود هو اللي خد القرار ده مش هقدر أعلمك تبقى راجل مسؤول يا طارق، لو أول خطوة ليا إني أسيبك تخبي ورا شفقتي تاني. لازم تصلح حياتك بنفسك.
طارق تقبل شرط أبوه من غير ما يناقش. وفي الشهور اللي بعدها، بدا يسدد أقساط شهرية لحساب أهله الأساسي من قبضه، واخد مسؤولية ديونه بالكامل.
علي حاول يحل كل حاجة بطريقته الخاصة. وعرض إنه يشتري لأهله شقة فخمة في سموحة، ويعين خادمة مقيمة، ويوفر سواقين خاصين.
قالت كريمة بلطف وهي قاعدة جنبه على مرجيحة البلكونة لأ يا علي.
بص علي باستغراب يا ماما، بعد كل اللي حصل هنا، لسه عوزة تقعدي في البيت ده؟
ابتسم محمود وهو ماسك إيد مراته وخصوصاً بعد كل اللي حصل يا ابني. البيت ده ملكنا.
قال علي بصوت واطي كنت ببعت لكم كل اللي تحتاجوه.
ردت كريمة بهدوء كنت بتبعت فلوس يا علي. اللي كنا محتاجينه هو أننا نسمع صوتك من غير ما نحس إنا معطلينك عن حياتك المشغولة.
الكلام ده خبط علي أقوى من أي اتهام تاني.
لسنين طويلة، كان فاكر إن كتابة الشيكات تعني التواجد. كان بيحول فلوس، ويدفع مصاريف صيانة، ويبعت هدايا غالية، بس كان بيقعد شهور من غير ما يقعد يقعد حقيقية ويفضفض مع أهله. كان فاكر الفلوس تساوي الحماية، وعمى نفسه عن حقيقة إن في حد بيسلب أهله كرامتهم تحت خشمه.
بعدها بست شهور، جه الربيع في إسكندرية.
علي طلع سلم بيت أهله. البيبان الكبيرة كانت مفتوحة على آخرها عشان تسمح للهواء الجميل يدخل الصالة.
في جنينة الورا، كانت كريمة بتضحك مع جارتهم عاتكة على الشاي. وجوه، محمود كان قاعد على كرسيه المصنوع من الخشب، بيقررا الجرنان والبيبان مفتوحة للشمس.
علي حط شنطته في المدخل محتاجين حاجة يا جماعة؟
كريمة رحت بابتسامة دافية أيوه. تعالى اقعد اشرب شاي ساقع معنا.
قعد علي جنب أبوه.
البيت لسه قديم، والأرض الخشب بتزيق، والجنينة محتاجة تنظيف. بس مفيش حد بيستأذن عشان يتعشى، ومفيش حد مستخبي في مخزن، ومفيش حد بيقرر حياتهم غيرهم.
علي لاحظ المفتاح المصدي الصغير محطوط على رف عالي جنب الباب.
سأل علي ليه لسه مخبي المفتاح ده فوق يا بابا؟
محمود بص للمفتاح، وبعدين لمراته، وفي الآخر لعلي.
قال الراجل العجوز بصوت هادي عشان أفتكر حاجة مهمة.
إيه هي؟
إن البيت ممكن يكون مكتوب باسمك، بس بيتبط بيبقى ملكك أول ما تسيب ناس تانيين يتحكموا في حياتك وقراراتك. وإن حب عيلتك عمره ما كان معناه أنك تتنازل عن كرامتك.

تم نسخ الرابط