رجعت من السفر فجأه
المحتويات
ونهى ملوش أي صفة قانونية.
قالت فريدة وهي بتحذر مش بالسرعة دي. وراحت مزحلقة كومة تانية من الورق قدامهاستمارات استعلام طبية، وسجلات رعاية، وفواتير خدمات مدفوعة مباشرة من شركة نهى الخاصة.
وضحت فريدة لو بصينا لكل حاجة لوحدها، هنفتكر إنهم ابن بار ومراته الطيبة بيساعدوا أهلهم الكبار في السن. لكن لو جمعناهم مع بعض، هيعملوا قضية قوية جداً قدام القاضي اتنين كبار في السن مش قادرين يديروا أملاكهم، ومعتمدين تماماً على العيلة اللي عايشة معاهم. بس في حاجة غريبة.
طلعت فريدة صفحة توقيع معينة محتاج أعرف أبوك وقع على إيه من ست شهور.
علي افتكر فوراً المفتاح المصدي اللي مخبي تحت حجر الجنينة.
التاني يوم الصبح، قدر علي يقنع أبوه إنه يركب معه العربية ويروحوا ورشة النجارة القديمة على أطراف البلد. التراب كان غطي طاولات الشغل الخشبية الثقيلة، بس رندات محمود القديمة وأزميله لسه مترتبين بانتظام على الحوايط.
الراجل العجوز مشى إيده على خشب طاولة بلوط لسه مش متفنش الحياة كانت أبسط بكتير هنا يا علي.
ليه يا بابا؟
لو اللوح الخشبي معوج، كنت بتقدر تشوفه بعينك وتعرف مكان العيب فين بالضبط.
قعد علي على طاولة الشغل قصاد أبوه احكلي إيه اللي حصل مع طارق؟
طلع محمود تنهيدة ثقيلة وكتفه مالوا لقدام. من خمس سنين، طارق كان استثمر في مشروع تجاري مع اتنين شركاء، بس بسبب سوء الإدارة والقروض الكبيرة وشريك هرب وساب البلد، طارق بقى مطالب بدفع ما يقارب مية وسبعين ألف جنيه ديون فورية.
سأل علي بصوت واطي الفلوس دي جت منين عشان يخرجوه من المصيبة دي؟
محمود بص لتحت ناحية جزمه بعت أرض جدك في الواحة.
علي بصل لأبوه بذهول. هو كان عارف أرض الواحة دي كويس، وأبوه قضى عشرين سنة يحلم إنه يتقاعد هناك ويبني شاليه صغير ويعمل جنينة.
بعت أرض أحلامك عشان تغطي ديونه؟
ده ابني يا علي، مكنتش أقدر أشوفه رايح السجن.
وهو عارف إنت ضحيت بإيه علشانه؟
طبعاً عارف.
مشى علي لحد الشباك والغضب بيولع جوه صدره. أخيرًا فهم أساس المأساة دي. الموضوع مابداش مع نهى، ده بدا من سنين طويلة لما أهله لخبطوا بين حماية طارق وبين إنهم يدعموا تهربه التام من المسؤولية.
محمود حكى له إن طارق ونهى لما طلبوا ينقلوا لبيت إسكندرية، وعدوا إنها هتكون لمدة تلات شهور بس. في الأول كانوا بيساعدوا في الأكل ومصاريف البيت، وبعدين نهى عرضت تدير فواتير الخدمات، وبعدها بفترة قصيرة خدت السيطرة على الفيزا والبطاقات عشان تسهل الأمور، وبعدين استولوا على أوضة النوم الأساسية بحجة إن السلالم بقت تتعب ركبة كريمة.
شوية بشوية، سحبوا استقلالية محمود وكريمة تماماً لحد ما أهله بقوا بيستأذنوا عشان يفتحوا تلاجة بيتهم.
سأل علي بصوت هامس يا بابا، إنت وقعت على أي أوراق قانونية؟
تردد محمود أيوه... لما جالي دور برد شديد في الشتاء اللي فات، نهى جابت لي ملف ورق لحد السرير وقالت إن دي أوراق إخلاء طبية وتصاريح فواتير، ووقعت في المكان اللي شارت لي عليه.
علي قفل عينه وثبت تنفسه المفتاح يا بابا، الصندوق فين؟
رجعوا البيت وقت ما كان طارق ونهى بره بيخلصوا مشاوير. كريمة فضلت واقفة تراقب من الشباك بينما محمود شال لوح خشب مخلوع تحت سرير من السريرين الصغيرين في المخزن، وطلع صندوق حديد تقيل.
المفتاح المصدي لف بسلاسة في القفل.
جوه كان في عقود البيت الأصلية، وإيصالات ضريبية، وجوابات عيلة قديمة، وأوراق بيع أرض الواحةاللي بتثبت دفع المبلغ اللي أنقذ طارق.
وبعدين، علي طلع ورق حديث. كان توكيل مالي عام بيدي نهى الصلاحية الإدارية على حسابات محمود الشخصية.
وفي الآخر، كان في توقيع محمود.
قرب محمود وبص على السطر يا علي... أنا ما وقعتْش على ده.
قربت كريمة ده شبه خطك تماماً يا محمود.
أصر محمود وصوته بيترعش بكرامة هادئة ده شبه النسخ. أنا بوقع اسمي بنفس الطريقة دي من لما كان عندي تسع عشرة سنة، والحتة اللي في الآخر دي مش تبعي.
علي خد صور بجودة عالية للورق وبعتها فوراً لفريدة.
الرد جه بعدها بعشر دقايق
متنقلش الصندوق الأساسي، وماتواجههمش دلوقتي خالص. اتصرف بشكل طبيعي تماماً.
لما رجعت نهى بدري ظهر اليوم ده، شכت علي وهو طالع من المخزن اللي ورا.
سألته وعينيها بتضيق بشك فوري كنت بتعمل إيه هناك يا علي؟
طلعت كريمة وراها وماسكة سبت غسيل كان بيساعدني أشيل ملايات السرير يا نهى.
نهى ابتسمت ابتسامة ضيقة ومصطنعة يا سلام، حاجة تفتح النفس. بس عينيها فضلت تلف بتدقق في خشب أرضية المخزن باهتمام شديد.
التاني يوم الصبح عالفطار، علي أعلن إنه راجع نيويورك بدري عندي اجتماعات شغل كتير مش هقدر أغيب عنها.
ملامح نهى استريحت بوضوح وهي بتصب لنفسها قهوة زيادة.
قال علي ببساطة بصراحة، دي راحة ليا وأنا عارف إنتوا مهتمين بالبيت والفواتير، أنا طول عمري فاشل في الحاجات الإدارية دي.
دي كانت الطُعم بالظبط اللي فريدة طلبت منه يرميه. ونهى ابتلعته فوراً.
قالت نهى بنعومة في سن معين يا علي، راحة البال بتبقى أهم بكتير من استقلالية الآباء الكبار.
كريمة حطت كوباية الشاي بهدوء وخبطت خبطة خفيفة. ومحمود فضل باصص في طبقه.
ابتسم علي افتكر إنك عندك حق.
بعدها بعشرين دقايق، دخلت نهى الصالة وهي ماسكة ملف جلد أزرق بما إنك هنا يا علي، في ورقة إدارية صغيرة عايزين نخلصها قبل ما تسافر.
مدت له ورق. كان إقرار رسمي بيعترف بطارق ونهى كمديرين أساسيين لأملاك محمود وكريمة، وموقع من علي باعتباره الابن الأكبر.
سأل علي وهو بيقلب في الورق مين اللي كتب الكلام ده؟
ردت نهى مستشار عقاري عائلي هنا في البلد.
تمام، هخلي الشؤون القانونية للشركة عندي تراجعه الأول.
ابتسامة نهى اهتزت جزء من الثانية مش محتاجين ندخل محامين كبار في موضوع عائلي بسيط يا علي.
قفل علي الملف بصوت خبطة قوية لو الموضوع بسيط، يبقى مفيش ضرر من مراجعة سريعة. خلونا كلنا نتجمع على العشاء بالليل ونخلص كل حاجة.
لما خرج علي ناحية عربيته، طارق وقفه عند الباب.
قال طارق بصوت واطي وهو بيبص حواليه بخوف متوقعش الورقة دي يا علي.
وقف علي ليه؟
عشان في حاجات إنت متعرفش عنها حاجة.
أنا بقيت اسمع الجملة دي طول الأسبوع يا طارق.
طارق بص ناحية البيت، وعلامات الكسوف واضحة عليه قابلني في ورشة بابا القديمة الساعة أربعة العصر.
لما طارق وصل ورشة النجارة المعفرة بعد الظهر، قضى عشر دقائق بيطلع حججوبيشتكي إن علي سافر وبنى حياة غنية في نيويورك وهو فضل قاعد هنا، وبيقول إن سهل يبعت فلوس من مكتب فخم ويلعب دور البطل.
علي سمع بهدوء. وبعدين حط ورق بيع أرض الواحة على طاولة الشغل.
طارق سكت فوراً.
قال علي بصوت هادئ وقاتل أبوك بعت أرض أحلامه عشان يخرجك من الإفلاس يا طارق، وإنت جازيته بأنك حرمته ينام في أوضته وخليته يبات في مخزن ورا بيته.
طارق وقع على كرسي خشب وحط إيده على وشده أنا ماكنتش أعرف موضوع المخزن... نهى قالت لي إنها مؤقتة لحد ما نجدد الأوض الأساسية...
قال علي ببرود هي خلت أهلك مساجين في بيتهم، وإنت سيبتها تعمل كده عشان كنت مرعوب من ديونك.
طارق اعترف إن
متابعة القراءة