رجعت من السفر فجأه
رجعت على البيت فجأة ومن غير ما أعرف أهلي، ولقيت ناس غريبة قاعدة جوه الصالة، وأخويا ومراته مسيطرين على البيت وبيقولوا إنهم هما اللي بيقرروا كل حاجة دلوقتي. من غير ما أخبط على الباب، كلمت المحامي وخليته يجمد كل حساباتهم البنكية فوراً. وبالليل، لقيت أبوي مطلع مفتاح قديم ومصدي كان مخبيه من زمان.
الجزء الأول
علي اكتشف إن أمه وأبوه بقوا بيستأذنوا عشان يعرفوا يتعشوا في البيت اللي دفعوا تمنه وشقوا فيه تمارين سنة وفوقهم ثمانية.
محدش قال له. هو شاف بعينه.
كان نازل من السفر فجأة ومن غير ما أقول لهم بعد مكالمة غريبة ومقلقة من أمه، كريمة. هي عمرها ما كلمت حد بعد الساعة عشرة بالليل، بس الليلة دي كان صوتها واطي ومستعجل لدرجة إنه اضطر يسيب اجتماع مهم عشان يسمعها كويس.
قالت له بصوت هامس يا ابني، متنزليش إسكندرية الويك إند ده. وقفلت الخط.
طوال شهور، كان علي ببعت أربعين ألف جنيه كل شهر عشان يضمن إن كريمة ومحمود يعيشوا مرتاحين في بيتهم القديم في إسكندرية. محمود كان نجار موبيليات قديم تقاعد، وكريمة قضت سنين عمرها تفصل وتخيط في ورش وسط البلد. البيت ده بجداره العتيق وتفاصيله وذكرياته كان بيمثل حصيلة عمر وشغل سنين.
علي كان فاهم إنهم في أمان ومبسوطين.
بس طلع غلطان تماماً.
لما وصل من غير ما يعرّفهم، ساب شنطه في فندق صغير قريب ونزل على منطقته القديمة مشي. مكنش لبس بدلة شيك ولا راكب عربية فخمة؛ كان عايز يتفرج ويراقب بصمت قبل ما يسأل عن أي حاجة.
في آخر النهار، شاف أمه وأبوه راجعين على الرصيف. محمود كان شايل كيس سوق تقيل، وكريمة ماشية جنبه بكيس أصغر وخطوات بطيئة ومرتبكة.
علي ابتسم ولسه هيطلع عشان يسلم عليهملحد ما شافهم بيكملوا طريقهم ومبيدخلوش من باب بيتهم أصلاً.
بالعكس، لقوهم بيدخلوا من ممر جانبي ضيق لحد ورا البيت.
همس علي لنفسه مش مصدق اللي أنا شايفة ده.
صوت طلع من ورا السور الخشبي قال له بقالهم شهور على الحال ده.
التفت علي لقى الجارة اللي ساكنة جنبهم من سنين طويلة.
سأل وعينيه مشدودة ليه؟
الجارة بصت ناحية البيت الأساسي والنظرة في عيونها كلها شفقة تعال يا علي وشوف بعينك أحسن.
دخل علي بالراحة مع الممر الجانبي ووقف في الظل جنب شباك المطبخ. الأصوات جوه كانت واضحة جداً.
صوت محمود هو اللي ظهر الأول يا نهى، هو ينفع نتعشى على ترابيزة المطبخ الليلة؟
سكتوا شوية سكوت طويل وثقيل. نهى تبقى مرات طارق، أخو علي الصغير.
قالت بصوت بَارد عندنا ضيوف الليلة يا محمود. الأحسن ليكم تتعشوا في الأوضة جوه.
مش هياخدوا غير دقايق...
قاطعتها نهى بحدة يا محمود، بلاش نفتح السيرة دي تاني.
حس علي بغضب بارد ومرعب بيتجمد جوه صدره.
محمود مجادلش. وبعد دقيقة طلعت كريمة من الباب اللي ورا وماسكة طبقين ورق صغيرين، وماسية مع جوزها لحد مخزن قديم ورا أوضة الغسيل.
علي عارف المخزن ده كويس. وهو طفل كان بيحين جواه أدوات الجنينة، والعجل القديم، وصناديق الزينة.
دلوقتي، بقى فيه سريرين صغيرين جنب بعض.
وفي نفس الوقت، من شباك الصالة الكبير، علي شاف أوضة أمه وأبوه الأساسية. اتغيرت وبقت بستائر حرير وشاشة تلفزيون عملاقة، ومليانة بشنط سفر طارق ومراته نهى.
علي كان عايز يكسر باب البيت ويدخل يقلب الدنيا.
بس أخد نفس عميق، وخرج للممر، وطلع موبايله وضرب نمرة فريدة، محامية العيلة.
قال بصوت هادي ومرعب يا فريدة، عايزك تعملي فحص شامل وسري جداً.
سكتت فريدة ثواني قولي يا علي، محتاج إيه؟
عقد بيت أهلي، حساباتهم في البنك، وكل توكيل أو ورق قانوني اتقوقع باسمهم في السنين اللي فاتت دي.
علي... في إيه؟
علي بص بين الشجر ناحية المخزن. وشاف من الشباك أبوه وهو بيقسم رغيف عيش نصين ويدي الحتة الكبيرة لأمه.
قال بصوت هادي لسا مش عارف، بس في ناس هتدفع تمن كل ثانية من اللي بيحصل ده.
فضل واقف في الضلمه لحد ما النور الأساسي في البيت اتقفل.
بعد نص الليل بشوية، طلع أبوه لوحده في الجنينة. محمود بص حواليه بخوف، ورفع حجر من الجنينة وطلع منه مفتاح حديد قديم ومصدي.
ولما علي خرج من الظل، محمود اتسمر في مكانه.
مبنش عليه الدهشة. كان باين عليه الكسر والتعب التام.
همس محمود كنت عارف إنك هتيجي في الآخر يا ابني.
شاور علي على المفتاح اللي في إيد أبوه اللي بتترعش يا بابا... المفتاح ده بيفتح إيه؟
قفل محمود كف إيده جامد على الحديدة حاجة أخوك ومراته مأدروش يوصلولها لحد دلوقتي.
الجزء الثاني
التاني يوم الصبح، دخل علي من الباب الرئيسي لبيت أهله كأنه لسه واصل البلد دلوقتي حالاً.
أول ما نهى شافته، طريقتها اتغيرت من القسوة لترحيب مزيف ومبالغ فيه علي! أهلك عاملين أحسن حاجة في الدنيا! أنا وطارق مهتمين بكل صغيرة وكبيرة.
طارق صب له كوباية قهوة. وكريمة دخلت من ممر الصالة اللي ورا، ونهى نادت عليها فوراً بكلمة يا ماما، مع إن علي كان سامع صوتها وطريقتها من الليلة اللي قبلها.
وطول وقت الفطار، نهى كانت بترمي كلام مقصود كذا مرةوبتقول إن محمود بقى بينسى كتير، وإن كريمة المفروض ماتشغلش دماغها البسيطة تاني بالفواتير ولا الأوراق القانونية.
علي ابتسم بهدوء وهز راسه كأنه موافق على كل كلامها.
ولما راح عشان ياخد جاكته، حس إن في ورقة صغيرة محطوطة جوه جيبه. فتحها في الممر، ولقى بخط أمه المرتعش خمس كلمات مكتوبين متسألش قدامهم عن أي حاجة.
بعد ساعتين، علي ظبط مع أمه إنهم يقابلوا بعض في مطعم هادي في وسط البلد. طلع حسابات البنك ووراه التحويلات الشهرية اللي كان بيبعتها طول السنة اللي فاتت.
وش كريمة خطف وبقى أصفر تماماً طارق قال لنا إنك بتبعت مبلغ بسيط كل شهر عشان تساعدنا في مصاريف الأكل...
علي طلع تفاصيل الحسابات والحركات المالية على التابلت بتاعه. أول ما فلوسه كانت بتدخل حساب أمه الرئيسي، التحويلات التلقائية كانت بتبعت الفلوس دي فوراً على حساب شركة خاصة مسجل باسم نهى.
سأل علي بهدوء فين كروت الفيزا بتاعتكم يا ماما؟
كريمة نزلت عينها، وإيديها كانت بتترعش وهي محطوطة في حجرها نهى مخلياهم معاها في الخزنة. وقالت... قالت أحسن عشان مانضيعهمش.
وفي اللحظة دي، تليفونه رن. كانت فريدة المحامية.
قالت بجدية يا علي، الموضوع أسوأ مما نتصور. طارق ونهى كانوا بيجمعوا تقارير طبية وأوراق بهدوء، ومجهزين نفسهم يرفعوا قضية قدام المحكمة عشان يحجروا على أهلك ويخليهم غير أهل لإدارة أموالهم بنفسهم.
علي بصل من شباك المطعم ناحية النهر، وحس بنبضات قلبه بتخبط في ودانه.
هما مكنوش بيستولوا على البيت عشان السهولة وخلاص. هما كان بيجهزوا لقصة رسمية وقانونيةوكانوا على بُعد أسابيع قليلة من سحب حقوق أهلهم نهائياً وبشكل قانوني.
الجزء الثالث
فريدة المحامية وصلت من القاهرة بعد ظهر اليوم ده. ومروحتش على البيت، بل قابلت علي في أوضة اجتماعات خاصة في الفندق بتاعه. فردت عقود البيت، والحسابات البنكية المراجعة، وأوراق القضايا على الطويلة الطويلة.
أكدت فريدة وهي بتشاور على أوراق السجل العقاري عقد البيت لسه باسم محمود وكريمة قانونياً.
علي خد نفس طويل حس إنه كان كاتمه بقاله أيام يبقى طارق