لما يكون الظلم من الأهل
"اقعدي يا نهى، بطلي دراما وشقلبة زايدة،" قالها أبويا بحدة وهو بيحاول يلم الموقف.
"لأ مش هقعد."
الجرسون وقف مكاني محتار، والماكينة في إيده مش عارف يروح فين ولا يعمل إيه.
رشا ضحكت ضحكة صفراء مستفزة: "يا إلهي، متعمليش فيلم هابط والنبي عشان باين أوي."
بصيت لها بنظرة خرستها: "أنتِ معبية تلات علب أكل كبار لعيالك وبناتي قاعدين بيبصوا وهم جعانين وتقولي دراما؟!"
هشام اتسند على الكرسي بتبجح وقلة ذوق: "محدش حاش بنتك تطلب اللي تعوزه لو معاها تمنه."
"لأ،" رديت بثبات وصلابة. "أنتم كلكم وضحتوا أوي مين العيال اللي ليها ثمن في العيلة دي ومين اللي ملهاش لازمة عندكم."
الجملة نزلت على الكل كالصاعقة. أمي بصت في الأرض فورًا ووشها جاب ألوان. تامر قلب تليفونه ووشه لتحت على الترابيزة لأول مرة. خالتو ابتسام غمضت عينيها بحزن على اللي وصلناله.
أبويا صوته علي وتعصب لدرجة إني حسيت عروقه هتفرقع: "إياكِ تقللي أدبك وتعمليها قضية قدام الراجل. محدش هنا مديون لك بعزومة ولا بطبق بطاطس!"
كنت ممكن أفكرهم بحاجات كتير أوي سكت عليها سنين. أقوله لما جوز رشا كان بيوضب عيادته، كتب لها شيك بمبلغ خيالي وقاله "بداية طريق". كنت ممكن أفكرهم لما طلبت مكان أحط فيه كرتونتين هدوم بعد الطلاق، قعد يعيرني ست شهور ويقولي البيت مش ضامنك. بس الكسرة علمتني السكوت، والوقار أحياناً بيكون أقوى سلاح.
"حضرتك صادق في كل كلمة،" قلت ببرود أعصاب تام. "محدش مديون لي بحاجة. بس الجدود اللي يقعدوا يتفرجوا على أحفادهم جعانين بينما أحفادهم التانيين بياكلوا وبيخدوا تيك أواي للبيت، بياخدوا قرار قذر.. وأنا قررت أخيراً أركز في القرار ده وأفهمه كويس."
ملك مسكت طرف البلوفر بتاعها بقوة، وليلى قربت مني ومسكت في فستاني جامد. حطيت إيدي على راس الاتنين وحسيت بقد إيه هما صغيرين أوي على القرف ده والنفسيات المريضة.
أبويا زق كرسيه ووقف بقوة وعصبية: "أنا مش هقعد أسمع قلة أدب من واحدة مش عارفة تربي بيتها ولا حتى تحافظ على جوزها من الأول!"
أهو ده الكارت المحروق اللي دايماً بيلعب بيه عشان يمحيني ويكسرني: مش أم بتعمل اللي تقدر عليه، ولا ست بتعافر بكرامتها بعد غدر السنين، دي في نظره ست فاشلة وخلاص.
بس المرة دي، الكلام مأثرش فيا بالعكس، ده قواني أكتر.
"حياتي مترتبة كويس أوي يا بابا، وعارفة أنا رايحة فين،" قلت بصوت ناعم ومحدد. "اللي مبقتش أرتبه خالص.. هو قلة الأصل والإهانة اللي بتقدموها."
رشا لفت عينيها بملل وتكبر: "خلاص بقى، خلصينا، هتقومي تعملي حكاية عشان أبويا قال كلمة عادية؟"
"لأ،" صوت جديد ومفاجئ جه من آخر الترابيزة قطع الكلام.
كلنا لفّينا بسرعة. كانت أمي.
"إيناس" قضت عمرها كله بتتكلم بصوت واطي، بتعتذر عن لا شيء، وبتسيب الشخصيات المسيطرة هي اللي تدير البيت وتدوس عليها. لكنها دلوقتي كانت قاعدة صلبة، ضهرها مفرود، ومسكة المنديل في حجرها بقوة، وبتبص لأبويا بنظرة تحدي مشفتهاش منها من أيام طفولتي البعيدة.
"هي مش هتعمل حكاية،" أمي قالت بصوت ثابت مبيترعش خالص. "عشان أنت كسرت بنات بنتك قدام الكل وعملت فيها الكبير اللي مش بيغلط."
أبويا اتفاجئ بجد واتجنن: "يا إيناس.. أنتِ كمان جيتي معاهما وبتقولي الكلام ده؟!"
"لأ مش جاية مع حد،" صوتها كان أعلى وأوضح وواثق. "مش هسكت المرة دي يا رشاد. كفاية سكوتي طول السنين دي. رشا تاخد كل الحب والفلوس والدلع، ونهى تاخد القسوة والذل. وبناتها ياخدوا الفتات وأنت بتسميه تربية وأصول!"
رشا اتفاجئت تمامًا واتصدمت في أمها: "ماما! أنتِ كمان بتقولي كلام مش واعي وخرفتي ولا إيه؟!"
أمي بصت لها نظرة واحدة قوية سكتتها تمامًا وخليتها تقعد مكانها.
خالتو ابتسام نطت وقالت بتأييد كبير: "برافو عليكي يا إيناس.. عيب عليكي أوي يا رشاد، بجد عيب، العيال ملهاش ذنب في طمعكم وقلة ذوقكم."
الجرسون قرب بحذر شديد وقال بصوت واطي: "أنا جهزت الوجبتين بتوع البنات فريش.. أحسبهم على فيزا مين يا فندم؟"
أمي مدّت إيديها بسرعة وطلعت كارت الفيزا بتاعها وحطته في إيد الجرسون قبل أبويا ما يلحق ينطق بكلمة. وأنا طلعت من شنطتي فلوس كفت تمن طبق البطاطس والسلطة والضريبة وبحبوحة للبقشيش المحترم، وحطيتها جوه الشيك المفتوح.
أبويا بص للفلوس والفيزا بنظرة احتقار وغضب: "ايه قلة الحاجة دي وقمة الهبل ده؟ فاكرة نفسك هتعملي فيها بطلة الرواية؟"
"لأ مش بطلة ولا حاجة،" قلت بهدوء وأنا بشد شنطتي على كتفي بثقة. "أنا مبثبتش حاجة لحد تاني خلاص.. أنا بثبت لبناتي إنهم ميقعدوش أبداً في مكان بيصغرهم أو يحسسهم إنهم قليلين."
مسكت إيد لليلى وملك، ومشيت بظهر مفرود وخطوات واسعة نحو باب المطعم، وسمعت صوت أمي ورايا وهي بتلم شنطتها وتقوم هي كمان وتسبهم في صدمتهم اللي مش هيخلصوا منها أبداً.