لما يكون الظلم من الأهل
الساعة كانت داخلة على تسعة بالليل، وقاعدين في مطعم إيطالي شيك في المعادي اسمه "لا تراتوريا". أبويا كان مختاره عشان يعمل فيه "عزومة العيلة" الشهرية اللي بيحب يجمعنا فيها عشان يفرض سيطرته ويستعرض قدامنا. من ساعة ما اتطلقت من سنتين وجوزي طفش وسابني لوحدي، العزومات دي بقت حفلة استعراض مستمرة عشان يفكروني بفقري وكسرتي.
أختي الكبيرة "رشا" هي البنت المدللة اللي متجوزة طبيب أسنان غني وعندها ولاد اتنين أشبه ببلطجية صغار، وأبويا بيسميهم دايمًا "رجالة المستقبل". أما أنا فكنت البنت اللي رجعت تعيش في شقة صغيرة فيصل بعد ما جوزها صفى الحساب وسافر الخليج ونسانا. بشتغل محاسبة في عيادة، بدفع إيجاري بانتظام، وبعمل شعر بناتي كل يوم الصبح، ومع ذلك فضلت في نظر أهلي "النموذج الفاشل" اللي خاب ومبيعرفش يعمل حاجة صح.
أبويا، "رشاد بيه"، كان بيؤمن إن البهدلة والشقاء حلوين أوي طالما بيحصلوا للناس التانية مش ليه هو ولا لعيال بنته المدللة.
"بناتك ياكلوا لما تروحوا البيت،" أبويا قالها بكل جلافة وهو بيرمي منديلين ورق على الترابيزة كأنه بيعمل لبناتي معروف تاريخي.
الصغيرة "ليلى" كان عندها ست سنين. بصّت للمناديل، وبعدين بصّت لطبق عيش بالثوم والموتزاريلا الناحية التانية عند ولاد خالتها، ونزلت عينيها في الأرض وسكتت خالص. أختها الكبيرة "ملك"، تسع سنين، كانت قاعدة جنبي ومربعة إيديها كأنها اتعلمت خلاص يعني إيه إهانة وقلة قيمة وهي لسه في السن ده.
الناحية التانية، أختي رشا كانت بتعبي علبتين تيك أواي كبار لولادها. الجرسون لسه مخلص تعبئة باقي الأكل بتاعهم: مكرونة بصوص وايت صوص، فراخ مشوية، ببروني، وبطاطس. أكل مش أقل من ألفين جنيه، وحساب الطاولة كله كان ظاهر قدام جوزها "هشام". الولاد كانوا لسه بياكلوا الحلو، في الوقت اللي بناتي كانوا قاسيمين طبق سلطة واحد وشوية بطاطس مقلية لأني ببساطة كنت حاسبة مصاريف الشهر بالمليم ومستنية قبضتي بفارغ الصبر.
رشا مَبصّتش حتى ناحيتنا وهي بتقول ببرود: "بصراحة يا نهى، كان المفروض تأكليهم قبل ما تيجي. العيال بيتعصبوا لو جاعوا وبيعملوا دوشة."
جوزها هشام ضحك بصوت عالي وهو بيشرب عصير الليمون: "ابقي أكليهم لقمة في البيت المرة الجاية عشان ما يبصوش في أكل غيرهم."
مديت إيدي مسكت كوباية المية وشربت ببطء شديد عشان أهدي ناري اللي كانت بتغلي جوة صدري.
"حصل خير،" قلتها بهدوء مصطنع.
محدش في القاعدة حس بالكسرة ولا القهر اللي جوه الكلمة دي غيري أنا.
خالتو "ابتسام" قالت بضعف وهي بتزحزح صباع عيش ناحية بناتي: "خذوا دول من عندي لو جعانين يا حبايب قلبي."
أبويا زعق بنبرة استخفاف وقسوة: "يا ست ابتسام بطلي دلع، هما مش أيتام عشان تشفقي عليهم!"
محدش نطق بحرف بعد كلامه. لا رشا، ولا هشام، ولا أخويا الصغير "تامر" اللي كان مبلط عينه في الموبايل ومش هامه حد، ولا حتى أمي اللي كانت قاعدة ساكتة كعادتها، متكيفة مع دور الشبح اللي بتلعبه طول عمرها عشان تخاف من غضب أبويا.
ليلى همست بصوت واطي يقطع القلب وهي بتمسح دمعة خبتها بسرعة: "أنا شبعانة يا ماما، والله العظيم."
الكلمة دي كانت هتدمرني وتخليني أنهار قدامهم. حرام العيال تدفع تمن كبرياء وعجرفة عائلاتهم.
الجرسون رجع ومعاه ماكينة الفيزا وبسمة اعتذار باهتة بتاعة الناس اللي شايفة مصيبة عائلية قدامها وعايزة تخلع من المكان. أبويا مد إيده على المحفظة الجلد بكل غرور: "أنا هحاسب على حساب رشا وولادها.. وتامر ومراته يحاسبوا على طلباتهم.. أما نهى.." بص لي ولعيالي وبعدين للشيك بابتسامة صفراء: "أظن أنتم طلبتوا حاجات خفيفة خالص وتكتفوا بيها."
أهو ده تاني: الاستعراض العلني لفقري وحجم قيمتي المنحدرة في نظرهم قدام الناس.
حاجة جوه روحي اتحركت وقطعت كل خيوط الصبر.
قمت وقفت، وكرسي الخشب عمل صوت خربشة عالية على الأرض كفيل يسكت أي دوشة في المطعم. الكل وقف كلامه وبص لي بصدمة.
الجرسون اتفاجئ، أبويا كشر ووشه اتقلب، ورشا رفعت راسها ببرود وقرف.
ابتسمت للجرسون بهدوء وقلت بصوت مسموع: "من فضلك، افصل حساب وجبات بناتي عن الشيك ده وحطه في فاتورة لوحده."
أبويا ضحك بسخرية مرة: "وجبات مين؟ دول مأكلوش حاجة أصلًا عشان تحاسبي عليها!"
بصيت له مباشرة من غير خوف. الصمت اللي جه بعد الكلمة دي كان أكتر من حجم المطعم نفسه. حتى صوت المطبخ هدي كأنه سامعنا. أبويا ابتسامته اتفبركت لأن الرجال اللي زي نوعيته بيستنوا العصبية والصراخ مش الهدوء والثبات. العصبية سهلة تتهاجم، لكن الوضوح بيوجع.