طمعانين ف فلوس شقة امي

لمحة نيوز

بصيت لها بتأمل طويل، وبعدين حولت عيني بهدوء على جوزي اللي بايعني برخيص عشان خاطر أخوه المستهتر. وفي اللحظة دي، في حاجة اتكسرت جوايا.. بس مش انكسار ضعف ولا استسلام، لا خالص. دي بقت حِدة صلبة زي الحديد، نظرة مركزة وصارمة كأنها سكين بتشق الغيوم.

كانوا فاكرين إن الحزن على أمي كسرني وخناني وخلاني أضعف من أني أخد موقف. وكانوا واثقين تمام الوثوق إن الصدمة والصبح بدري هيخلويني أسلم الراية بسهولة وبدون مناقشة.

بدل ده كله، وبهدوء تام يجلط، حطيت الملف الورقي على الترابيزة قدامهم. وبصيت في عيون حسام مباشرة بدون خوف.

"عارف يا حسام؟" قلتها بصوت هادي ورايق يخوف أكتر من الصراخ. "عندك حق في كل كلمة قلتها."

الاتنين اترخوا فورًا، وتنفسوا الصعداء بصوت عالي كأنهم كانوا غرقانين وطلعوا يشموا هوا. ابتسامة بلهاء علت وش حسام، وسوسن قالت في سرها كلمة حمد والشكر.

"الغلطة رقم واحد." قلتها وأنا ثابتة في مكاني.

ابتسامة خبيثة وبشعة ظهرت على وش سوسن وهي فاكرة أني استسلمت وهدفع التمن. "الغلطة رقم اتنين."

لأن ولا واحد فيهم كان مدرك ذرة واحدة من الحقيقة، ولا كان في دماغهم إني قضيت الست شهور اللي فاتوا بجهز للحظة دي بالذات، بكل خطوة وكل توقيع قانوني. ولا واحد فيهم كان لديه أدنى فكرة إيه اللي مستنيه جُوّه الملف اللي محطوط على الترابيزة ده.

"على فكرة، أنا عندي مفاجأة ليكم أنتم الاتنين،" قلتها وأنا برفع حاجب بتهكم. ولأول مرة من الصبح ومن يوم ما أمي ماتت.. ابتسمت بجد.

حسام جرى بسرعة يفتح الملف الورقي الكبير، وصوابعه بترتجف شوية من طمع الفلوس اللي خلاص لمعت في دماغه وأعمته عن أي تفكير منطقي. كان مستني يلاقي أرقام حسابات بنكية برقم سري، أو أكواد سحب، أو شيك مقبول الدفع جاهز يودعه في جيبه المفتوح عشان يطير بيه لإيهاب.

بدل ده كله، لقى قدامه كومة تخينة من الأوراق القانونية المعقدة المربوطة بشريط أحمر شيك، أوراق ممهورة بأختام المحكمة والتوثيق.

حواجبه اتقوست في استغراب شديد وعينه جابت العنوان القانوني المكتوب بخط عريض في أول صفحة: "صندوق استثمار عائلة فريد الموثق - صندوق لا يجوز التصرف فيه أو نقله للأجيال اللاحقة، ومجمد لصالح الابنة الوحيدة فقط بدون حق الشراكة الزوجية".

"إيه ده يا صفا؟" حسام صرخ والذعر بدأ يدب في صوته وهو بيقلب الصفحات بسرعة بجنون كأنه مجنون. "فين أكواد التحويل؟ فين تفاصيل الحساب الأساسي؟ أنا قولتلك مليون مرة لازم أعمل التحويل البنكي ده قبل الساعة خمسة العصر عشان الدائنين ما يقتلوش أخويا!"

ربطت إيدي الاثنين قدامي بإحساس عالي بالثقة والشماتة، ووقفت منتصبة القامة كأني ملكة قاعدة على عرشها. "مفيش أكواد يا حسام، ومفيش مليم واحد هيطلع من السبعة مليون دول."

"يعني إيه مفيش أكواد؟!" سوسن صرخت وهي بتنط لقدام، ووشها البريء اتقلب لألف لون من الرعب والغضب الأعمى. "المحامي عطل التحويل ولا دي لعبة من بتوعك؟ إحنا محتاجين الفلوس دي النهارده ضروري والموضوع ما فيهوش هزار!"

ضحكت بصوت عالي لأول مرة، ضحكة مليانة قهر سنين اتشال واتنسى. "لعبة؟ لا يا ست سوسن، دي مش لعبة، دي الحقيقة المرة اللي أنتم الاتنين كنتوا أغبياء لدرجة أنكم ما شوفتوهاش. أمي الله يرحمها مكنتش ست هبلة ولا بتسيب حقها للريح، وهي على فراش الموت، وقبل ما تفارق الدنيا بشهور، كتبت الشقة دي وكل مليم فيها في صندوق استثمار عائلي خاص باسمي لوحدي، وموثق بالشهر العقاري وبحكم محكمة مانع أي حد، كائنًا من كان، أنه يقرب له أو يدخل ضمن أموال الزواج أو الديون."

حسام رمى الملف على الأرض بعنف، ووشه بقى أحمر زي الطماطم من كتر الغضب. "أنتِ طليقتي.. قصدي، أنتِ اتجننتي؟ إزاي تعملي كده من ورايا؟ أنا جوزك! أنا مسؤول عنك!"

"كنت جوزي يا حسام،" قلتها وأنا بوطي أخد الشنطة من على الكرسي وأعلقها على كتفي بكل برود. "لأن من ساعة ما دخلتوا عليا الأوضة بتطالبوا بميراث أمي الميتة عشان تسدوا بيه بلاوي أخوك اللي ملوش أخر، مابقاش بينا عيش ولا ملح، ولا حتى معرفة."

سوسن جابت آخرهابقت تلطم على وشها وتزعق بصوت مسرخ. "يا مفترية يا ابنة اللذين! بتخوني جوزك وبتحرمي أخوه من النجاة؟ ده أنتِ ست نكدية وطماعة وما عندكيش دم!"

"الطماع هو اللي جاي ينهش في تركة ست ماتت وسابت بنتها لوحدها في الدنيا،" رديت عليها وأنا باصة لها ببرود أعصاب خلاني أستمتع بكل دقيقة في الانهيار اللي قدامي. "فلوس أمي هتروح لمكانها الصح، مشاريع خيرية وتعليم لأطفال محتاجة، مش هتروح في سكة قطاعين الطرق اللي اسمه إيهاب."

"أنا هطلقك! هرميكي في الشارع بدون حتى ملومك!" حسام زعق وهو بيمسك في شعره من كتر الصدمة والعجز.

طلعت من شنطتي ورقة تانية، ورقة بيضاء صغيرة متوقعة ومختومة، ورميتها على الترابيزة قدامه بكل هدوء. "وفر على نفسك العناء يا حسام، دي ورقة طلاقنا بالمخالعة اللي كنت موقع عليها من شهر وأنا بلم ورق الشقة، وكنت فاكرها إقرار تسليم مصروف البيت. المأذون كان مستنيني برة، ودلوقتي الشقة دي بتاعتي لوحدي، والسبعة مليون في الأمان، وأنت وأمك وإيهاب تقدروا تلموا هدومكم حالا وتطلعوا بره بيتي، لأن الأصول بتقول إن مفيش مكان للطماعين في بيوت الشرفاء."

وقفت قدام الباب وفتحتهم على الآخر، وأنا باصة لهم وهما بيبتلعوا الصدمة ورا بعض، وكل واحد فيهم بيكتشف متأخر جداً إن اللعبة خلصت، وإني مش البنت الطيبة الهبلة اللي سكتت زمان، وإن الستات لما بيكسروا بيعرفوا يبنوا سور عالي يحميهم من كل الذئاب اللي حواليهم.

تم نسخ الرابط