طمعانين ف فلوس شقة امي

لمحة نيوز

الساعة ستة الصبح، المفروض البيت يكون هادي ورايق والكل نايم، لكن بدل ده، باب الأوضة اتفتح برزع جامد هز الحوائط. سوسن عمرها ما كانت بتعرف تخبط قبل ما تدخل، ودخلت كأنها صاحبة بيت مش حمى بتقتحم خصوصية ولادها. مفروضة أصلًا إن الأصول دي تتطبق عليها وتتعلم تحترم البيوت، لكنها مفترية بطبعها.

"فين الفلوس؟" قالتها بحدة وهي بتدخل الأوضة بخطوات واسعة تخبط في الأرض. "فلوس شقة أمك، إحنا محتاجين السبعة مليون جنيه فورًا."

كنت واقفة متسمرة جنب ترابيزة السفرة، عيني بتبص لها وهي بتهجم على الأوضة. الشنطة لسه على كتفي مهملة، وأوراق البنك لسه في إيدي مبلولة من عرق إيدي من التوتر. من كام ساعة بس، كنت لسه راجعة من المهندسين بعد ما خلصت آخر أوراق بيع شقة أمي الله يرحمها، الشقة اللي عشت فيها كل تفاصيل عمري، واللي دفعنا فيها دم قلبنا.

سبعة مليون جنيه. بالنسبة لأي حد تاني قاعد يعد الملايين، الرقم ده كان خيالي ومغري وبيفتح عيون أي طماع. أما بالنسبة لي، فكان عبارة عن حزن متحوّل لأرقام صماء، شقاوة عمر ودموع متجمعة في ورقة بنكية. كل جنيه فيها كان بيحكي قصة تضحيات أمي اللي ما انتهتش. الورديات الطويلة اللي كانت بتسهرها للصبح في المستشفى وهي تعبانة ورجليها ورمة، أعياد الميلاد اللي كانت بتشتغل فيها بدل ما تقعد معايا وتطفي الشموع، والسنين المريرة اللي ربّتني فيها لوحدها بعد ما أبويا طفش واختفى من حياتنا وسبنا للمجهول.

"نعم؟ بتقولي كام؟" سألتها بصوت هادي كالعادة، كنت بحاول أمسك أعصابي عشان ما أنفجرش من قلة الذوق.

وقبل ما سوسن تلحق ترد بكلمة زيادة، ظهر حسام على أول السلم، لابس بيجامته وشعرهكيرلي منكوش، وشايف الشغلبطة اللي عملاها أمه. أول ما عيني جات في عينه، فهمت كل حاجة من نظرة واحدة؛ كان عارف هي هتقول إيه من الأول وسايبها تجرسني.

"يا صفا،" قالها بحذر وهو بيقرب. "تعالي اقعدي الأول ونتكلم بالعقل."

سوسن شاحت بإيديها في الهوا بقرف وعصبية. "لا، سيبيها تقف، بلا قعد بلا كلام، لازم تكتشف الواقع لوحدها!"

حسيت بغصة في قلبي بتكبر وتخنقني. "أكتشف إيه؟ فهمني!"

حسام قعد يدعك في جبينه بتوتر، والحركة دي حفظتها منه لما يكون كداب ومزنوق. "أنا وأمّي اتكلمنا امبارح بالليل، وشايفين إن الفلوس دي أولى بيها إيهاب أخويا."

لثواني معدودة، حسيت إني مش فاهمة هو بيقول إيه، كأن الكلام متقطع ومش متركب صح. "أولى بيها إيهاب مين؟ إيهاب أخوك مال ومال ميراث أمي؟"

"ديونه كثرت أوي يا صفا،" حسام وضّح كلامه ببساطة غريبة واستستسهال يقهر.

الكلمات فضلت ترن في دماغي كأنها جرس شؤم. إيهاب. أخوه الصغير الدلع اللي أهله بوظوه. البني آدم اللي قضى سنين عمره بيغرق في مصائب ومشاكل مالية ملهاش أول من آخر. مشاريع فاشلة بيفتحها ويقفلها في شهر، استثمارات وهمية في الأرض والشقق وبيخسرها في السقيفة، ديون شمال ويمين لناس خطر، وعود كدابة ملهاش آخر لكل اللي حواليه. كل عزومة أكل في العيد أو مناسبة عائلية كان لازم يطلع لنا بخطبة طويلة عريضة عن إنه أخيرًا هيعدل حاله وهيبدأ من جديد وهيبطل استهتار. وواضح إن "إعدام الحال" ده معناه الحقيقي إنه يصرف ميراث واحدة تانية مالهاش ذنب غير أنها وثقت في جوزها وعيلته!

سوسن قربت خطوة لقدام ورفعت دقنها بغرور. "ده أخوه يا بنتي، والدم مياهوش عكر. أمك الله يرحمها لو كانت عايشة كانت تتمنى الفلوس دي تفضل في العيلة وتستر على شاب واقف على حافة الهاوية."

ضحكة طالعة من قلب الموت والمذلة هربت مني قبل ما أحقق أقفل بوقي. "أمي أصلاً كانت يا دوبك تعرف إيهاب بالسلامة، وعمرها ما شافت منه غير وجع الدماغ وقلة الأصل!"

وش حسام نشف واتحجر، ملامحه اللي كنت بحبها زمان تقلبت للون الرمادي الباهت. "مش وقت أنانية خالص يا صفا، ما تبقيش قاسية كده."

أنانية! كلمة زي السُم. من وسط كل الكلمات اللي كان ممكن يقولوها، الكلمة دي وجعتني أكتر بكتير من خبر بيع الشقة.

"أمي ماتت من ست شهور،" قلتها وصوتي ثابت مكمله رغم ناري الجوايا. "وأنا اللي فرزت شقتها ونضفتها وطلعت هدومها للفقراء لوحدي."

بصيت في عينه مباشرة بدون ما أحرك رمش واحد. "طول أيام الإجازة والعطل الرسمية، محدش فيكم رفع معايا كرتونة."

مفيش حد منهم نطق بكلمة، والبيت كان ساكت سكون الموت.

"أنا اللي خلصت الورق والشهر العقاري ووقفت في الطوابير بالساعات." صمت تام. "أنا اللي دفعت أتعاب المحامي والرسوم من تحويشة عمري." وبرضه صمت. "أنت مكنتش موجود يا حسام، وإيهاب ده ماشفناهوش أصلًا غير وهو جاي يقترض فلوس."

الأوضة حوالينا بردت فجأة كأن التكييف شغال على أقصى سرعة. "ودلوقتي جاي تقولي بكل تبرير بارد إنكم قررتوا بنفسكم هتعملوا إيه بميراثي؟"

حسام تردد، ثانية واحدة بس.. بس كانت كفاية أوي عشان تفضح كل نيتهم القذرة اللي مدارهوهاش صح. "أنا وعدت إيهاب خلاص إننا هنقف جنبه ونحل له مصيبته دي، الفلوس هتنزل في حسابه على طول."

حسيت روحي بتتسحب مني وتطلع من بقي. "إحنا؟ من إمتى فيه إحنا في فلوس أمي لوحدي؟"

سوسن ردت بسرعة البرق وبجاحة واضحة: "أنتم متجوزين على سنة الله ورسوله، يعني عيشة واحدة ومال واحد.. اللي ليكي ليه واللي ليه ليكي، بطلي بقى الحركات البيئي دي!"

تم نسخ الرابط