العروس التي اكتشفت أثناء زفافها أن نصف المدعوين لا تعرفهم أصلًا…
ظلت ريم واقفة في منتصف القاعة وكأن كل الأصوات من حولها ابتعدت فجأة. قبل دقائق فقط، كانت تسمع الموسيقى وضحكات صديقاتها وأصوات الأقارب وهم يباركون لها. والآن كان سبعة وأربعون شخصًا يقفون في آخر القاعة وينظرون إليها: لا أحد يبتسم، لا أحد يصفق، وبعضهم يحمل بطاقة الدعوة نفسها. أما الشاشة الكبيرة خلفها، فبقيت تعرض صورة والدها؛ الرجل الذي فقدته قبل خمس سنوات، والذي ظنت أنها تعرف عنه كل شيء.
اقترب عريسها كريم منها: — ريم، ماذا يحدث؟ هزت رأسها: — لا أعرف.
نظر إلى والدتها: — خالتي؟ لكن الأم لم تجب، وكانت عيناها تتحركان بين الوجوه كأنها تبحث عن شخص محدد. سألتها ريم: — قلتِ إن الشخص الذي أرسل الدعوات موجود هنا. من هو؟ قالت الأم: — لا أعرف أين يقف. — لكنك تعرفينه؟ صمتت، وكان صمتها إجابة كافية.
بدأ أقارب العريس يقتربون وساد الارتباك في القاعة. بعض الضيوف ظن أن الأمر جزء من مفاجأة أعدها العروسان، وآخرون أخرجوا هواتفهم. لكن الرجل المسن الذي تحدث إلى ريم رفع يده وقال: — نحن لم نأتِ لإفساد زفافك يا ابنتي. نظرت إليه: — إذن لماذا أنتم هنا؟ أخرج البطاقة مرة لأننا تلقينا هذه الدعوات. قالت: — أنا لم أرسلها. — نعرف. توقفت: — تعرفون؟ أومأ: — معظمنا شك منذ البداية أنك لا تعرفين شيئًا.
قال كريم: — ومن أنتم أصلًا؟ نظر الرجل إلى بقية المجموعة ثم قال: — كنا نعمل مع والد ريم. شعرت ريم بأن السؤال التالي أصبح أصعب: — أين؟ قال: — في المصنع.
تجمدت: — أي مصنع؟ نظر الرجل إليها باستغراب ثم إلى والدتها وقال: — ألم تخبروها؟ استدارت ريم نحو أمها: — تخبرونني بماذا؟ قال الرجل: — والدك لم يكن دائمًا رجل العقارات الذي تعرفينه. قبل أكثر من عشرين عامًا، كان والد ريم، فؤاد، يدير مصنعًا صغيرًا للملابس بالشراكة مع رجل آخر. كان المصنع يشغّل عشرات العمال، من بينهم معظم الأشخاص الموجودين في القاعة الآن.
قالت ريم: — أبي لم يخبرني يومًا أنه امتلك مصنعًا. قال الرجل: — لأنه أغلق قبل أن تكبري. — ولماذا؟ هنا لم يجب الرجل، بل قالت امرأة تقف خلفه: — لأننا استيقظنا يومًا ووجدنا المصنع مغلقًا. التفتت ريم إليها؛ كانت المرأة في الستين تقريبًا. قالت: — لم نحصل على مستحقاتنا الأخيرة. بعضنا كان له أكثر من ذلك.
تدخلت الأم بسرعة: — الموضوع لم يكن بهذه البساطة. قالت المرأة: — أعرف، ولهذا نحن هنا.
ارتبكت ريم؛ كانت تتوقع غضبًا واتهامات، لكن هؤلاء الأشخاص لم يتصرفوا كمن جاءوا للانتقام من والدها، بل كانوا ينتظرون شيئًا. قالت: — ماذا تنتظرون مني؟ أشار الرجل المسن إلى الشاشة: — الشخص الذي دعانا قال إن الإجابة ستظهر الليلة.
وفجأة تغيرت الصورة. ظهر رقم 47 ثم تحته الخزانة 312. وبعد ثوانٍ اختفت الرسالة وعادت الشاشة إلى صور الزفاف المعتادة. صرخ مسؤول القاعة: — من يتحكم بالشاشة؟ ركض أحد الموظفين إلى غرفة الأجهزة وتبعه كريم. أما ريم فالتفتت إلى والدتها: — ما معنى 312؟ — لا أعرف.
لكن ريم لاحظت شيئًا؛ والدتها لم تنظر إلى الشاشة عندما سألتها، بل نظرت إلى حقيبتها. قالت ريم: — أمي. — ماذا؟ — افتحي حقيبتك. — لماذا؟ — افتحيها. ترددت، ثم أمسكت ريم الحقيبة بنفسها وفتحتها. كان بداخلها هاتف، مناديل، مستحضرات بسيطة، ومجموعة مفاتيح. التقطت ريم المفاتيح؛ كان بينها مفتاح صغير لم تره من قبل معلقة به قطعة معدنية وعليها 312.
ساد الصمت بينهما. قالت ريم: — قلتِ إنك لا تعرفين الرقم. بدأت عينا أمها تمتلئان بالدموع: — كنت أتمنى ألا نصل إلى هذه اللحظة. — ماذا يفتح هذا المفتاح؟ — خزانة. — أين؟ صمتت الأم. — أين يا أمي؟ قالت أخيرًا: — في البنك.
عاد كريم وقال إن موظفي القاعة لم يشغّلوا الرسالة، بل شخص ما تمكن من إدخالها ضمن ملف العرض قبل بدء الحفل. سأل: — ما هذا المفتاح؟ أجابته ريم: — يبدو أن زفافنا سيتأخر قليلًا.
لم يكن من الممكن ترك القاعة فورًا دون فهم ما يجري. بعد سلسلة من الإجراءات والتحقق من المستندات التي كانت الأم تحتفظ بها، ظهرت معلومة لم تعرفها ريم طوال حياتها: الخزانة 312 كانت مسجلة باسم والدها، وبعد وفاته انتقلت صلاحية الوصول إليها إلى والدتها وفق ترتيبات قديمة. قالت ريم: — وهل فتحتِها بعد وفاته؟ — مرة واحدة. — ماذا فيها؟ قالت الأم: — لم أفتح الصندوق الموجود بداخلها. حدقت ريم فيها: — دخلتِ إلى الخزانة ولم تفتحيه؟ — والدك طلب مني ذلك. — أبي متوفى، ترك لي رسالة.
بدأت ريم تشعر أن حياتها كلها تحتوي على غرف مغلقة لم تكن تعرف بوجودها. قالت: — وأين الرسالة؟ أخرجت الأم هاتفها وكانت تحتفظ بصورة منها. قرأتها ريم؛ كان خط والدها: «إذا جاء اليوم الذي يجتمع فيه أصحاب الأسماء السبعة والأربعين، خذي ريم إلى الخزانة 312. لا تفتحيها قبل ذلك.»
رفعت ريم رأسها: — لماذا أنا؟ قالت أمها: — لا أعرف.
في صباح اليوم التالي، لم تعد قصة الزفاف مجرد موقف عائلي غريب، لكن ريم لم تهتم بما يقوله الناس لأن كان أمامها سؤال واحد: ماذا ترك والدها في الخزانة؟ ذهبت مع والدتها، وبعد استكمال الإجراءات، فُتحت الخزانة 312. كان بداخلها صندوق كبير، وملف، وجهاز تخزين صغير، وعلى الصندوق ظرف يحمل اسمها: «إلى ريم.»
جلست وفتحت الظرف وبدأت تقرأ: «ابنتي ريم، إذا وصلتِ إلى هذه الرسالة، فهذا يعني أنني لم أعد موجودًا لأشرح لك بنفسي. وأول شيء أريدك أن تعرفيه هو أن السبعة والأربعين شخصًا الذين سيصلون إليك لا يدينون لي بشيء، أنا الذي أدين لهم.»
توقفت ونظرت إلى أمها ثم أكملت: «قبل 23 عامًا، تعرض المصنع لأزمة مالية كبيرة. كان فؤاد وشريكه على وشك الإفلاس. حاول فؤاد إنقاذ المشروع، لكن شريكه اتخذ قرارات مالية دون علمه، ثم غادر وترك خلفه التزامات كبيرة. أُغلق المصنع، ولم يحصل عدد من العاملين على كامل مستحقاتهم.»