هدية حماتي
المحتويات
عليها كل يوم أنا وأحمد وابني يوسف.
بصيت ناحية باب المطبخ بشكل تلقائي، رغم إني عارفة إن مفيش حد في البيت غيري أنا ويوسف اللي نايم. رجعت بصيت للحاجة اللي في إيدي، وبعدين بصيت للأصيص، وقلبي بدأ يدق بسرعة. مديت إيدي ناحية موبايلي اللي كان محطوط فوق رخامة المطبخ، وإيديا كانت بتترعش لدرجة إني غلطت في فتح الشاشة أول مرة. فتحت الأسماء ودورت على رقم حماتي مدام سعاد، وضغطت اتصال.
حطيت الموبايل على ودني وأنا لسه قاعدة على الأرض وحواليّا التراب والجذور والأصيص المقلوب. رن مرة، مرتين، وبعدين سمعت صوت حماتي
ألو يا مريم؟
بلعت ريقي وبصيت للحاجة اللي طلعتها من جوه التراب، وقلت بصوت مرتعش
ماما.. أنا كنت بنقل الزرعة اللي إنتِ جبتيهالي لأصيص أكبر.
سكتت لحظة وكملت
ولقيت حاجة مدفونة تحت التراب.
وفجأة حماتي سكتت تمامًا. السكون اللي جه من الناحية التانية كان أغرب من أي رد ممكن أسمعه. قلت
ماما؟ إنتِ سمعاني؟
أخيرًا ردت بصوت منخفض
مريم.. أنا أقدر أشرحلك.
بطني اتقبضت، وبصيت للسلسلة الدهب اللي في إيدي والتراب لسه لازق فيها، وقلت
يعني إنتِ كنتِ عارفة؟!
سكتت تاني.
ماما، أنا بسألك.. كنتِ عارفة إن السلسلة دي موجودة في الزرعة؟
زفرت وقالت
كنت متوقعة إنها هناك.
حسيت كأن حد ضربني في صدري.
من إمتى؟
مريم...
من إمتى يا ماما؟!
اتأخرت شوية قبل ما تقول
من ليلة عزومة البيت الجديد.
بصيت للسلسلة اللي في كفي ومخي وقف. عزومة البيت الجديد كانت من ست شهور. قلت وأنا مش مصدقة
يعني من ست شهور وإنتِ عارفة؟!
مكنتش متأكدة مية في المية من غير ما أطلع الزرعة وأقلب التراب.
بس كنتِ متوقعة إنها هناك؟
أيوه.
كنت ماسكة السلسلة ومش قادرة أصدق إن الحقيقة دي فضلت مستخبية كل الوقت ده.. الحقيقة دي بالذات، لأن السلسلة دي مكنتش مجرد قطعة دهب ضايعة، دي كانت سبب إني فضلت ست شهور كاملة أتحمل نظرات وكلام وتلميحات من أخت جوزي وأنا بضحك وأسكت كأن الموضوع مش موجعني.
حماتي مكنتش دايمًا بالشكل اللي أنا بحكي عنه دلوقتي؛ في أول ما أنا وأحمد اتعرفنا كانت بتعاملني باحترام بس ببرود، وكانت دايمًا حاطة مسافة لا بتضايقني ولا بتقرب مني. بعد الجواز بدأت تلين، لكن بعد ولادة يوسف علاقتنا تغيرت تمامًا وبقت تدخل بيتي عشان تساعدني بجد؛ تجيب طلبات، تنام يوسف عشان أعرف أرتاح، تطبق الغسيل. وفي مرة كنت محرجة جدًا من فوضى الشقة بعد أسبوع صعب مع يوسف فقلت لها معلش يا ماما، البيت مقلوب، فضحكت وقالت إنتِ عندك طفل رضيع، مش لجنة تفتيش جاية تقيم المطبخ. من اللحظة دي تقريبًا بدأت أحبها بجد وبقيت أشوفها مش كحماتي اللي لازم أرضيها، لكن كحد من عيلتي، وعشان كده لما جابتلي الزرعة يوم عزومة البيت الجديد حسيت إن دي علامة إن علاقتنا وصلت لمكان حلو.
لكن اللي مكنتش أعرفه وقتها إن قبل العزومة بيوم واحد، حصلت واقعة فضلت مطارداني شهور. اليوم اللي قبل العزومة كنت رحت بيت حماتي أجيب منها شوية أطباق تقديم ومفارش كانت قالتلي إنها هتسلفهالي عشان العزومة. وأنا هناك، كانت بتلف طبق زجاج فقالتلي مريم، هاتيلي موبايلي من أوضة النوم لو سمحتي. دخلت الأوضة وجبت لها الموبايل. بعد حوالي عشرين دقيقة، حماتي بدأت تدور على سلسلة دهب كانت لابساها؛ سلسلة قديمة ومميزة فيها دلاية بيضاوية صغيرة. فضلنا ندور عليها في كل حتة، وفجأة أخت أحمد نجلاء قالت وهي واقفة حاطة إيديها قدام صدرها أنا مش بتهم حد.. أنا بس بقول إن مريم كانت الوحيدة اللي دخلت أوضة ماما. بصيت لها وقلت دخلت عشان مامتك طلبت مني أجيب الموبايل، فقالت أنا بحاول أفهم السلسلة راحت فين، فقلت طب ليه بتحاولي تفهمي الموضوع من ناحيتي أنا بس؟!. حماتي تدخلت بسرعة وقالت نجلاء، خلاص.. مريم مستحيل تعمل حاجة زي دي، لكن نجلاء ردت ما هي السلسلة برضه ما مشيتش لوحدها!.
في اللحظة دي أحمد كان وصل. أول ما فهم اللي حاصل قال مريم مستحيل تاخد سلسلة ماما.. أكيد ماما حطتها في مكان ونسيت. نجلاء بصت بعيد وقالت خلاص، وأحمد قال نقفل الموضوع هنا؟.
كان المفروض وقتها أقول لا.. كان المفروض أطلب منها تعتذر.. كان المفروض ما أقبلش إن حد يشك في أمانتي بالشكل ده. لكن أنا ضحكت ضحكة صغيرة، شلت طبق من على الترابيزة وقلت يا جماعة بلاش نبوظ الدنيا، بكرة عندنا عزومة ولسه وراينا شغل كتير، وسكتت.
ولمدة ست شهور كاملة ندمت إني سكت؛ لأن نجلاء فعلًا ما قفلتش الموضوع. في عزومة عيد الشكر العائلية اللي كانت بعد كده بفترة، شفتها وهي شايلة شنطتها معاها للمطبخ لما قامت تجيب حلو، وفرد من العيلة قال بهزار خدوا بالكم، عدوا الملاعق قبل ما مريم تمشي. الكل ضحك، وأنا ضحكت معاهم.. مش عشان الكلام كان يضحك، لكن عشان مكنتش عارفة أعمل إيه غير كده.
وقفت دلوقتي في مطبخي والسلسلة في إيدي، وفجأة فهمت كمية الحاجات اللي كنت ببلعها وأسكت عليها باسم إننا مانكبرش المواضيع.
سمعت باب البيت بيتفتح؛ أحمد دخل. أول ما شاف التراب والأصيص المقلوب قال إيه اللي حصل هنا؟. شاورته على الرخامة، بص هناك وراح ناحيتها وشال السلسلة وبص فيها ثواني وقال دي سلسلة أمي؟.
قلت كانت مدفونة جوه زرعة السلام.
عنيه وسعت وقعت منها في التراب يعني؟.
قلت أيوه.
وفجأة ارتاح وقال الحمد لله! أهو كده نجلاء هتبطل كلام بقى.
بصيتله وقلت أمك كانت عارفة.
ابتسامته اختفت إيه؟.
كانت متوقعة إن السلسلة جوه الزرعة من ليلة عزومة البيت الجديد.
اتصدم يعني من ست شهور؟.
أيوه.
مد إيده ياخد موبايلي أنا هكلمها.
غطيت الموبايل بإيدي وقلت لا.. مش دلوقتي.
بصلي باستغراب.
قلت أنا محتاجة أفهم ليه سكتت.
قال وأنا كمان.
قلت قبل ما تقعد تشرحلي تصرفات عيلتك زي كل مرة، اسأل نفسك سؤال.. ليه كل الناس ارتاحت إن الشبهة تفضل فوق راسي؟.
سكت.
قلت إنت طلبت من نجلاء تعتذرلي؟.
اتردد.. وده كان كفاية.
قلت إنت قلت لها بس متجيبش سيرة الموضوع تاني.. كنت بحاول أقفل المشكلة. قفلت المشكلة على الكل إلا أنا.
قال مريم...
قلت إنت خليت القعدة تهدى.. لكن ماصلحتش اللي حصل.
قعد على الكرسي وبص للسلسلة، وبعد شوية قال كان لازم أعمل أكتر.
ضمّيت دراعاتي وقلت أنا تعبت من دور الشخص اللي الكل متوقع إنه يستحمل.
بصلي وقال عندك حق.
بالليل، بعد ما يوسف نام، كلمت حماتي وقلت تعالي. وصلت بعد ربع ساعة تقريبًا. أول ما دخلت وشافت السلسلة على الترابيزة وقفت مكانها. قالت أنا كنت بشتغل في الزرعة قبل العزومة بيوم.. قفل السلسلة كان واسع شوية.
قلت وبعد ما نجلاء اتهمتني؟.
قالت وقتها لسه كنت فاكرة إني ضيعتها فوق.
وبعدين؟.
قعدت وقالت بعد العزومة، افتكرت إني كنت منحنيّة فوق الزرعة وأنا بظبط التراب، والسلسلة كانت علقت بحاجة وأنا بشتغل.
قلت يعني عرفتي مكانها غالبًا؟.
أيوه.
طب ليه ماقولتيش؟.
فضلت باصة ليّ فترة طويلة قبل ما تقول عشان نجلاء طول عمرها فاكرة إن السلسلة دي هتبقى بتاعتها.
اتلخبطت، فقالت السلسلة دي كانت بتاعة أمي.. نجلاء بتحبها من وهي صغيرة. أنا عمري ما وعدتها
متابعة القراءة