كل يوم كنت برجع من شغلي حكايات منــال عـلـي
أنا دمرت حياته زمان، سرقت فلوسه وشقاه وجريت ورا الإدمان وضيعت نفسي وعيلتي.. أنا أستاهل الموت، بس أمي رفضت تسيبني أموت في الشارع بعد ما خرجت من السجن عاجز ومريض ضمور أعصاب!.
سكت للحظة، وحسيت بنار الغضب اللي في قلبي بتتحول لشفقة وحزن عميق.. المأساة كانت أكبر من مجرد أكل اتسرق أو كدبة اتقالت، دي مأساة عيلة اتفتت بسبب غلطة زمان، وأم حاولت تعالج الغلط بغلط أكبر منه. وقبل ما أنطق بكلمة.. سمعت صوت خطوات سريعة بتطلع على السلم وصوت مفاتيح بترن! طارق اتفزع وبص للباب ده أحمد! ده صوته!.
الباب اتفتح فجأة ودخل أحمد وهو بيقول اتفضل يا حج، الشقة مقفولة بقالها سنتين ومحتاجة وش نضاف.... الكلام وقف في زور أحمد فجأة؛ شاف الشنط والأكل على الأرض، شافني واقفة في الصالة، وبص للغرفة لقى طارق قاعد على المرتبة وشه باهت ومكسور. المشتري اللي مع أحمد اتخض لما لقى الموقف مش طبيعي وقال بسرعة شكل عندكم ظروف يا أستاذ أحمد.. أنا هستناك تحت على القهوة، ونزل جري وسب الباب مفتوح.
أحمد فضل واقف متجمد في مكانه، وشه اتقلب أصفر وعينيه وسعت بشكل مخيف، وصوته طلع متهدج ومخنوق ط.. طارق؟!. طارق مقدرش يبص في عينين أخوه، فضل يبكي بصوت مكتوم ويقول سامحني يا أحمد.. سامحني يا أخويا... أحمد مسك دماغه بإيديه الاتنين كأنه مش مستوعب الكابوس إنت عايش؟! إنت ممتش في الحادثة؟! وماما كانت مخبياك هنا طول السنتين دول؟!.
قربت من أحمد ومسكت إيده بهدوء أحمد.. اهدى، اهدى واسمع... أحمد زق إيدي وصرخ بصوت زلزل أركان الشقة أهدى إزاي؟! أخويا اللي سرق كل شقا عمري ودمر مستقبلي، أمي كدبت عليا وقالت لي إنه مات.. وجاية تعيش معايا عشان تسرق أكلنا وبيتنا وفلوسنا وتأكله بيه في السر؟! إنتِ عارفة ده معناه إيه يا نادين؟! معناه إن كل يوم عشته في بيتي السنتين دول كان كدبة كبيرة!.
وفي قمة الانفجار ده، ظهر خيال على باب الشقة المفتوح.. كانت حماتي الحاجة فاطمة. كانت طالعة السلالم وهي بتنهج بشدة وساندة على الحيطة، ولما شافت أحمد واقف بين نادين وطارق، انهارت على الأرض عند عتبة الباب ومسكت رجل أحمد وهي بتصرخ بالدموع اقتلني أنا يا أحمد! حاسبني أنا يا ابني.. متلمسش أخوك، أخوك مريض ومبيتحركش من مكانه ومستني الموت! أنا اللي عملت كل حاجة.. أنا اللي خبيت، وأنا اللي أخدت من أكلك وأكل مراتك.. اضربني أنا بس متسيبش الغل ياكل قلبك ضد أخوك العاجز!.
أحمد بص لأمه المرمية عند رجليه، وبص لأخوه اللي قاعد على الأرض بيبكي بعجز ومرض، وبص لي وأنا واقفة بمسح دموعي. الصمت نزل على المكان.. صمت ثقيل وموجع، صدمة كسرت كل الكبرياء والوجع. أحمد نزل على ركبه قدام أمه، ومسك إيديها وقومها ليه يا أمي؟ ليه مقولتليش؟ كنتِ فاكرة إن إلي لو شفته مريض ومتبهدل كده هسيبه يموت في الشارع؟! أنا كنت زعلان من اللي عمله زمان، لكن مكنتش هبقى وحش وأسيبه يضيع قدام عينك! ليه خليتيني أعيش في كدبة؟ وليه ظلمتي نادين وخليتيها تحس إنها غريبة ومحرومة في بيتها؟!.
حماتي دفنت وشها في صدر أحمد وبكت بكاء هستيري كنت خايفة.. خايفة تخيرني بينك وبينه، وخايفة على بيتك يتخرب.. سامحني يا ابني، وسامحيني يا نادين يا بنتي.. حقك فوق راسي. في اللحظة دي، حسيت إن الغضب اتبخر ومبقاش فاضل غير ألم الواقع وحتمية الحل. مسحت دموعي وقربت من أحمد وحماتي وقلت بهدوء الشقة دي يا أحمد مش هتتباع.. طارق محتاج رعاية ومحتاج علاج في مصحة أو مستشفى متخصصة.. وإحنا اللي هنتكفل بده برضا وسماح، من غير سرقة ومن غير ما حد فينا ينام محروم أو جعان.
أحمد رفع راسه وبص لي بنظرة امتنان عميقة عمري ما هنساها، وطارق قعد يبوس إيد أخوه وهو مش مصدق إن العذاب والكابوس انتهوا بعد سنين من الهروب والألم.
بعد مرور ستة أشهر.. شقة إمبابة اتنضفت وتصلحت وبقت مكان آدمي وصحي. طارق بدأ جلسات العلاج الطبيعي وبقى قادر يتحرك على عكاز وبدأ يشتغل شغل بسيط على قده من البيت. حماتي رجعت بيتها في إمبابة جنب ابنها المريض ترعاه بعينينا ومساعدتنا، بس المرة دي كل حاجة في النور والعلن. أما أنا وأحمد، فرجعنا لبيتنا في فيصل.. بيتنا اللي رجع فيه الدفء والوضوح. بقيت لما أرجع من شغلي، ألاقي أحمد مستنيني على الباب.. ومعاه الأكل اللي بنقسمه سوا بالحب والرضا، ونتأكد إن مفيش حد بينام وهو جعان.. لا في بطنه ولا في مشاعره. اتعلمت إن السر مش في كمية الأكل اللي في الحلة.. السر الحقيقي هو الصدق، وإن مفيش حقيقة مهما كانت مرة ومستخبية، بتفضل مدفونة للأبد.