كل يوم كنت برجع من شغلي حكايات منــال عـلـي
المحتويات
دي الكدبة اللي خليت أبوه يقولها لأحمد زمان عشان ينساه.. طارق كان مدمن، وعمل مصيبة وسرق شركة كبيرة ودخل السجن، وقضى عقوبة سبع سنين وخرج من سنتين.. في نفس الوقت اللي جيت فيه أعيش معاكم!.
حسيت الدنيا بتلف بيا.. سنتين؟! سنتين وحماتي مش قاعدة معانا عشان شقتها بتتشطب؟ سنتين وهي بتداري سر بالحجم ده؟! كملت حماتي بصوت مبحوح طارق خرج من السجن مريض، عنده ضمور في الأعصاب وميقدرش يشتغل، ولا حيلته مليم.. أبوه طرده وحرمه من كل حاجة قبل ما يموت، وأحمد لو عرف إن طارق عايش وقاعد في شقة إمبابة، هيقتله بإيده! أحمد مش مسامحه، لأن الفلوس اللي طارق سرقها زمان كانت شقا أحمد في الغربة اللي بدأ بيه حياته.. السرقة دي كسرت ضهر أحمد زمان وضيعت مستقبله!.
بصيت للأكل والفلوس وبصيت لحماتي بغضب تقومين تسرقيني أنا؟! وتخليني أرجع من شغلي جعانة، وتفضلي تقولي لي أحمد أكل وإنتِ اتأخرتي، وتخليني أشك في جوزي وفي نفسي، عشان بتأكلي ابنك اللي سرقكم زمان؟!. مسكت حماتي عبايتي وركعت على الأرض قلبي يا بنتي.. قلبي مهدانيش أسيبه يموت من الجوع أو يترمي في الشارع! أنا أمه.. مكنش قدامي حل غير إني آخد من مصاريف البيت، ومن أكلك إنتِ وأحمد.. مكنتش قادرة أطلب من أحمد مليم لطارق، فكنت بشيل نصيبك إنتِ وأحمد من الأكل وأحطه له مع أم سيد توصلهوله كل كام يوم!.
في اللحظة دي، وأنا واقفة مصدومة ومش قادرة أستوعب كمية الخداع اللي عشت فيها سنتين كاملين.. موبايلي رن بصوت عالي كسر هدوء الشقة المرعب. بصيت على الشاشة.. المتصل أحمد. حماتي اتنفضت من مكانها وعينيها وسعت من الرعب متقوليلوش حاجة يا نادين.. أبوس رجلك، لو أحمد عرف إن طارق عايش وعارف مكانه، هتحصل جريمة!.
رديت على التليفون وصوتي بيرتجف ألو.. يا أحمد؟. صوت أحمد كان مبهج وغريب على غير العادة حبيبتي، إنتِ في البيت؟ جهزي نفسك، أنا مروح بدري النهاردة، وجايب معايا عشا مخصوص عشانك، قدامي ربع ساعة بالكتير وأكون عندك.. في مفاجأة لازم تعرفيها بخصوص شقة إمبابة!. قلبي سقط في رجلي مفاجأة إيه يا أحمد؟. قال بضحكة خفيفة أنا قررت أبيع شقة إمبابة أخيرًا، والراجل المشتري معايا في العربية دلوقتي وجايين ناخد المفاتيح من ماما عشان نروح نعاين الشقة حالاً!.
الخط اتقفل. بصيت لحماتي اللي كانت باصة لي ومستنية تسمع أحمد قال إيه. لما قلت لها أحمد معاه مشتري ورايحين شقة إمبابة حالاً، حماتي حطت إيدها على قلبها ووقعت على الأرض فاقدة الوعي! الراجل اللي في إمبابة، المريض، اللي مبيتحركش.. أحمد رايح له ومعاه مشتري بعد ربع ساعة! أمام عيني مكنش فيه غير خيار واحد؛ أنا لازم أوصل شقة إمبابة قبل ما أحمد يوصل، عشان أمنع الكارثة اللي لو حصلت هتدمر بيتي وتنهي حياة عيلة كاملة! أخدت مفاتيح الشقة وجريت على السلم وأنا قلبي بيدق كأنه طبول حرب.
نزلت السلم بجنون، أنفاسي كانت متلاحقة وعقلي بيلف في دوامة مرعبة. سبت حماتي بعد ما اتأكدت إن جارتنا في الدور اللي تحت، أم نهى، دخلت عندها وبدأت تفوقها بماية وسكر. مكنش قدامي غير خيار واحد؛ لازم أوصل شقة إمبابة قبل ما أحمد والمشتري يوصلوا وإلا هتحصل كارثة. ركيت تاكسي وقلت للسواق بنبرة استعطاف ورعب على إمبابة يا أسطى، بأقصى سرعة عندك الله يخليك!.
الطريق كان كأنه دهر.. الإشارات، الزحمة، أصوات الكلاكسات، كل ثانية بتعدي كانت كأنها بتتسحب من عمري. كنت ماسكة شنطتي وفيها أكياس الأكل والدوا والمفاتيح اللي خطفتهم من البيت قبل ما أنزل. وصلت العمارة القديمة في إمبابة.. عمارة متهالكة في حارة ضيقة. طلعت الدور الرابع والسلالم مكسرة، ريحة الرطوبة والعفن مالية المكان. وقفت قدام باب الشقة الحديدي المصدي.. إيدي كانت بتترعش وأنا بحط المفتاح في الكالون.
فتحت الباب بالراحة.. الشقة كانت غارقة في الظلام مفيهاش غير شباك مكسور بيسرب ضوء شارع باهت. وفجأة.. سمعت صوت أنين خافت جاي من الأوضة اللي في الوش. قربت بخطوات بطيئة ودخلت الأوضة.. المنظر اللي شفته مستحيل أنساه طول حياتي؛ راجل في أوائل الأربعينات، وشه باهت وعظامه بارزة كأنه هيكل عظمي، نايم على مرتبة قديمة على الأرض ومتغطي ببطانية مهترئة، وجنبه كباية ماية فاضية وعلبة دوا فاضية.
أول ما شافني، حاول يقوم برعب وسند على الحيطة بإيد بترتعش من المرض إنتِ.. إنتِ مين؟! أمي فين؟ أمي جرالها حاجة؟!. وقفت قدامه لساني عاجز عن الكلام للحظات إنت.. إنت طارق؟. الراجل دمعت عينيه ونزل راسه للأرض بكسرة وانكسار أيوه.. أنا طارق. إنتِ نادين.. مرات أحمد، صح؟ أمي كانت بتحكيلي عنك كل ما كانت بتيجي بالليل متخفية تطمن عليا...
قعدت على طرف كرسي مكسور وحطيت أكياس الأكل والدوا قدامه إنت عارف أمك كانت بتعمل إيه عشان تجيبلك الأكل ده؟ كانت بتشيل لقمتي ولقمة أحمد.. كانت بتسرق مصروفي وفلوسي عشان تديك علاجك وتخليك عايش هنا في السر!. طارق انهار في البكاء، بكاء راجل مريض ومكسور وضايع والله العظيم ما كنت أعرف إنها بتاخد منكم من وراكم! أمي قالت لي إنها بتشتغل في تفصيل وتطريز عشان تصرف عليا.. قالت لي إنها مش قادرة تقول لأحمد عشان أحمد بيكرهني.. ومعه حق يكرهني!
متابعة القراءة