حمايا كان رافض يقفل باب الحمام مهما طلبت
حد يقولي أعمل إيه في بيتي. لاحظت. لكن سعاد فهمتني إن قفل باب الحمام مش بالظبط يعتبر إن حد بيتحكم فيا. ست حكيمة جدًا. متجشعيهاش. ابتسمت، وبعدين تعبير وشه بقى جدي وقال كان غلط مني إني أتكلم عن البيت والعيال. آه. إنتوا تخلفوا لما تبقوا مستعدين. لو قررنا نخلف أصلًا. رمش صح. افتراض تاني كان بيعمله من نفسه. هز راسه وقال لو قررتوا... براحتكم. وبعدين قال وعلى فكرة... أنا مش شايفك ضيفة. بصيتله وقلت عندك طريقة غريبة جدًا في التعبير عن ده. قال عارف. وده تقريبًا كان أقصى درجة حنية عم صبري يعرف يوصل لها، وقبلت اعتذاره، مش لأن كل اللي حصل اختفى، لكن لأنه أخيرًا فهم جزء من المشكلة.
نقلنا من البيت، والفلوس اللي كنا بنوفرها لمقدم الشقة بطّأت جدًا؛ لما عدت العشر شهور اللي كنا محددينهم من الأول، كان معانا حوالي 18 ألف بدل ال 40 ألف اللي غالبًا كنا هنوصل لهم لو فضلنا عايشين عند أهله. ومع ذلك.. ولا مرة ندمت، ولا حتى لما غسالة الأطباق باظت، ولا لما جارنا اللي فوق اكتشف هواية نط الحبل جوه الشقة، ولا حتى لما الإيجار زاد السنة اللي بعدها.
وفي حاجة تانية حصلت؛ أحمد اتغير، مش في يوم وليلة لكن الفرق كان واضح. أبوه كان يقول تعليق في غدا يوم الجمعة، وبدل ما أحمد يبص في طبقه ويعمل نفسه فجأة مهتم جدًا بالبطاطس... بقى بيرد. مرة عم صبري قال إننا بنرمي فلوسنا في الزبالة بالإيجار، أحمد رد إحنا بنشتري خصوصية. سعاد كانت هتتف من الضحك.
وفي مرة تانية، عم صبري سأله إمتى بقى هتدوني حفيد؟ أحمد قال كل مرة تسأل فيها السؤال ده، هنزود ست شهور على الموعد. عم صبري بطل يسأل... تقريبًا.
بعد سنة من نقلنا من بيتهم، اشترينا بيت صغير؛ مش البيت اللي كنا بنحلم بيه من الأول، أوضتين نوم بدل تلاتة، جنينة صغيرة، والمطبخ شكله واقف عند سنة 1996، حتى البلكونة الأمامية كانت مايلة شوية لحد ما أحمد وعم صبري صلحوها سوا.
يوم ما استلمنا المفاتيح، أهلي وأهل أحمد جم عندنا. سعاد جابت زجاجة مشروب للاحتفال، وأمي جابت كمية منظفات تكفي لتعقيم مستشفى كاملة. أما عم صبري فطبعًا لف في البيت كله يفحص كل حاجة، لحد ما وقف في الطرقة قدام الحمام.
بصلي.. بصيتله.
مد إيده ببطء... وقفل باب الحمام! وبعدين قال مفصلات كويسة.
انفجرت ضحك.. ضحك لدرجة إني اضطريت أستند على الحيطة. أحمد طلع من الناحية التانية في إيه؟ قلت ولا حاجة. عم صبري شاورلي بإيده متبتديش. أنا مقولتش حاجة. بس كنتي هتقولي. طبعًا كنت هقول. هز راسه وهو مبتسم غصب عنه.
أوقات لما أحكي القصة دي لحد، بيفتكر إن الدرس اللي علّمته لعم صبري كان الكرسي اللي حطيته في الطرقة. لكن الحقيقة... لأ. الكرسي كان حركة طفولية شوية؛ فعالة جدًا، لكن طفولية. الدرس الحقيقي حصل بعد كده.
عم صبري كان طول عمره بيقول على نفسه راجل البيت، وكأن ملكيته للبيت معناها إن راحة كل الناس اللي فيه تيجي بعد راحته هو. لكن أنا كمان كنت غلطانة في حاجة؛ أنا كنت متخيلة إن لمجرد إننا بنوفر فلوس.. يبقى لازم أستحمل أي حاجة بتحصل تحت سقف البيت ده، وده مش صح. إنك تعيش في بيت حد تاني معناه إنك تحترم مكانه وقواعده، لكن مش معناه إنك تتنازل عن كل حدودك الشخصية.
وأحمد اتعلم حاجة أصعب؛ السكوت مش دايمًا حياد، خصوصًا لما حد بتحبه بيتعرض للإهانة. أوقات إنك تفضل تقطع البيض وتسكت... ده في حد ذاته اختيار. كلنا خرجنا من خناقة باب الحمام السخيفة دي وإحنا فاهمين حاجات كان المفروض نفهمها من زمان؛ عم صبري فهم إن قفل الباب مش هزيمة، أحمد فهم إن الهروب من المواجهة ممكن يتحول لنوع من الخذلان، وأنا فهمت إن توفير الفلوس مش مستاهل إني أحس إني ماليش قيمة أو كلمة في المكان اللي بنام فيه كل ليلة.
عم صبري دلوقتي بيقفل باب الحمام كل مرة.. على الأقل لما نكون إحنا عندهم. وعارفة إزاي؟ عشان مرة وإحنا عندهم يوم الجمعة، كنت بعدي في الطرقة وسمعته بيقول من ورا الباب شايفة يا ندى؟ الباب مقفول! زعقتله من بره مبروك يا عمي! حضرتك كده بقيت جاهز تعيش وسط المجتمع! سمعت ضحكة سعاد من تحت، وعم صبري رد عليا بكلمتين مش هينفع أكررهم.. لكن الباب فضل مقفول. وفي النهاية.. ده كان كل اللي طلبته من البداية.