مرات أبويا ربتني كأني بنتها من يوم ما أبويا ماټ وأنا عندي 6 سنين
المحتويات
اليوم الثالث، نزلت لوحدي. كانت في المطبخ، أول ما شافتني سكتت. قلت بهدوء
احكيلي كل حاجة. إيديها وقفت في الهوا وبعدين نزلتها ببطء وقالت
من البداية؟
من غير أي اختصار.
وقعدنا. لأول مرة من سنين ما فيش فيها دور ولا تمثيل ولا حماية صامتة، بس حقيقة واحدة كانت هتتقال ومش هترجع زي ما كانت. منى سحبت الكرسي اللي قدامها بهدوء وقعدت، بس كانت لسه ماسكة نفسها كأنها خاېفة أي كلمة تخرج غلط. سكتت ثواني طويلة وبعدين قالت
أنا هحكيلك كل حاجة حتى لو هتكرهيني بعدها. بصيت لها من غير رد، وبدأت تحكي
سلوى أختي كانت أقرب حد ليا في الدنيا. كانت دايمًا تقول إنها عايزة بنت زيك لما كانت حامل فيكي.. كانت بتتكلم عنك كأنك قدامها. سكتت لحظة بس الحمل كان صعب جدًا، والدكاترة من الأول قالوا في مخاطرة. قلبي بدأ يدق بسرعة، بس فضلت ساكتة.
يوم ولادتك حصل ڼزيف شديد، وسلوى دخلت في غيبوبة سريعة وبعدها ما قامتش. الهواء بقى تقيل في الأوضة.
قبل ما ټموت بساعات مسكت إيدي وقالتلي لو حصلي حاجة خدي فرح.. ما تسيبيهاش لحظة واحدة. دموعي نزلت من غير ما أحس. كملت
وأبوك محمود كان مڼهار، مش قادر حتى يبص عليكي في الأول. هنا رفعت عينيها كان بيقوللي أنا مش هعرف أربيها لوحدي. سكتت، وقالت
أنا اللي طلبت منه أعيش معاكي في الأول كأخت تساعد مش كأم.. وبعدين إنتي كبرتي وابتديتي تقوليلي ماما وأنا ما قدرتش أوقفك تاني. وكل مرة كنتي تناديني ماما كنت بحس إني لو قلت الحقيقة ههدّ الدنيا فوق دماغك. وأبوكِ كان بيأجل كتابة الرسالة دي كل مرة لحد الليلة اللي قبل الحاډثة.
هنا قلبي وقع تاني. كان عايز يقولك الحقيقة بنفسه بس ما لحقش. سكتنا الاتنين، المرة دي الصمت مختلف؛ مش ڠضب، مش صدمة.. بس وجع تقيل. أنا بصيت لها وقلت بصوت واطي
يعني أنا طول الوقت كنت عايشة بين حقيقة ونص حقيقة؟ هزت راسها
كنتِ عايشة في حب.. بس الحقيقة اتأخرت.
قمت من مكاني، مش پعنف بس بثقل، وقفت قدامها
أنا مش قادرة أقولك إنتي دلوقتي بالنسبة لي إيه. دموعها نزلت أكتر وقالت
مش مهم الاسم.. المهم إنك لسه هنا. سكت، وبصيت حواليّا البيت اللي كان دايمًا بيتي بس بقى فجأة مش ثابت. قلت
أنا محتاجة وقت أفهم أنا مين من غير الحكاية دي. هزت راسها بسرعة
خدي كل الوقت اللي عايزاه.. أنا مش هضغط عليكِ. وققبل ما أطلع، قالت بصوت مكسور
بس لو في يوم ناديتيني بأي حاجة.. هكون مستنياها.
وقفت على الباب، ومرة تانية نفس السؤال رجع جوايا أنا فرح بنت مين فعلًا؟ ولا بنت كل اللي حبوني وخافوا عليا؟ والمرة دي ما كانش فيه إجابة جاهزة، بس كان فيه بداية ووجع لازم يتفهم من جديد.
طلعت أوضتي تاني، بس المرة دي ما كنتش نفس البنت اللي طلعت أول مرة تفتح الصندوق. كل حاجة جوايا كانت ساكتة بشكل مخيف؛ مش رفض ومش قبول، كأن الإحساس نفسه اتلخبط. قعدت على السرير، والرسالة اللي لسه ماسكاها من أبويا قدامي على الترابيزة، بقيت أبصلها ومش قادرة ألمسها.
بعد شوية، خبط خفيف على الباب، وصوت منى
فرح.. ممكن أدخل؟ سكتت ثانيتين وبعدين قلت
ادخلي. دخلت بهدوء وقعدت عند الباب مش قريبة مني وقالت
أنا مش جايّة أضغط عليكِ.. أنا بس خاېفة تفضلي لوحدك جوا نفسك. بصيت لها
أنا كنت طول عمري مش لوحدي.. بس واضح إني ما كنتش عارفة الحقيقة. هزت راسها بحزن
بس ده ما يلغيّش اللي عشناه سوا. سكتت. الكلمة دي وقفت في دماغي عشناه سوا. قلت
طب وإنتي عايزة مني إيه دلوقتي؟ سكتت شوية طويلة وبعدين قالت
ولا حاجة.. غير إنك ما تمسحيش كل اللي كان جميل. ضحكت ضحكة قصيرة بس من غير فرح
حتى لو كان مبني على حاجة مش كاملة؟ قالت بسرعة
اللي كان.. حب. الحب مش بيبقى كدب.
سكتنا تاني، ولأول مرة من ساعة ما عرفت الحقيقة حسيت إني تعبت، مش بس من الصدمة، لكن من التفكير المستمر في كل لحظة فاتت. بعدها بأيام، قررت أخرج. روحت مكان هادي، نفس المخبز القديم اللي أبويا كان بيجيه زمان. قعدت لوحدي وبصيت حواليّ كأنّي بدور على نسخة منه في كل ركن، ولأول مرة ما لقيتش دموع، لقيت إحساس مختلف؛ إنه كان موجود فعلًا حتى لو كل تفاصيل الحكاية اتغيرت.
الموبايل رن.. سامح.
إنتي فين؟
بحاول أفهم نفسي. سكت شوية وبعدين قال
وأي جزء وصلتي له؟ ابتسمت ابتسامة صغيرة
وصلت إني مش لازم أختار طرف واحد من الحكاية.. ممكن أحتفظ بيها كلها حتى لو متناقضة. سكت، وبعدين قال
ده أصعب اختيار. قلت
بس يمكن يكون الوحيد الحقيقي.
قفلت المكالمة وأنا بصّة للكوباية اللي قدامي، ولأول مرة ما كنتش بدوّر على إجابة نهائية.. كنت بس بتعلّم أعيش مع الحقيقة بدل ما أحاربها. رجعت البيت في نفس اليوم، بس المرة دي رجوعي ما كانش هروب ولا راحة.. كان مواجهة هادية مع نفسي.
لما دخلت، لقيت منى في المطبخ زي العادة، بس أول ما شافتني ما جتش ناحيتي بسرعة زي قبل.. وقفت مكانها كأنها بتحترم المسافة اللي أنا محتاجاها. سكتنا لحظة، وبعدين أنا اللي بدأت
أنا مش جايّة ألومك النهارده. عينيها اتوسعت شوية، كملت
بس كمان مش قادرة أرجع زي الأول. هزت راسها بهدوء
ما طلبتش
متابعة القراءة