صمت الخباز
ولم تعترض أبداً حين خصمتُ منه اليوم؟ ولماذا لم تظهر أي ردة فعل طبيعية كباقي البشر أمام هذه المواقف؟ وقف الشاب لحظة كاملة وسكت تماماً، ناظراً إلى الأرض الملطخة ببقايا الدقيق يجمع أفكاره المبعثرة في ذاكرته، قبل أن يرفع رأسه ببطء شديد وينظر إليه بعينين تفيضان بعمق غريب وتجربة قاسية تفوق سنين عمره بكثير. قال له بصوت هادئ يشبه خرير الماء البارد إن اليوم الذي غاب فيه لم يكن يوماً عادياً في حياته، بل كان يوماً أسود ومطبوعاً في ذاكرته إلى الأبد ولن ينساه طوال بقائه على هذه الأرض مهما حيَا. وأضاف بنبرة متوجعة أن ما حدث في ذلك اليوم المتقلب غيّر رؤيته للحياة برمتها وجعله ينظر إلى الأمور بمنظور مختلف تماماً عن الماضي، فلم يعد يهتم البتة بما كان يشغله من تفاصيل تافهة وصراعات مادية سابقة. أرهف صاحب المخبز السمع بكل حواسه، وشعر من فوره أن الكلام يتعدى حدود العمل والمال بكثير ليمس شغاف القلب والروح بعمق بالغ. واصل الشاب حديثه الشجي موضحاً أنه في ذلك اليوم بالذات رحل عنه إنسان عزيز جداً على قلبه، شخص كان يمثل له العالم بأسره والسند الوحيد في هذه الدنيا القاسية، وقضى ساعات طويلة طويلة ومخيفة بين أروقة المستشفى الموحشة والبيت الخاوي وهو يحاول جاهداً استيعاب تلك الصدمة المفاجئة القاسية التي أوقفت زمنه تماماً. وقال إنه حين عاد إلى بيته بعد الفجيعة، لم يكن يفكر أبداً في جمع المال أو تفاصيل العمل ومشاكله، بل كان غارقاً في الفراغ الرهيب والكبير الذي تركه ذلك الرحيل الأبدي، وكيف سيكون عليه شكل أيامه القادمة وكيف سيواصل حياته وحيداً بعد ذلك الغياب المفجع. وأضاف بكل أسى أنه أدرك في تلك اللحظة القاسية أن الأمور التي كان يحسبها ذات شأن كبير طوال حياته، كالزيادة المادية البسيطة والخصم والفلوس ومكاسب الدنيا، هي أشياء ضئيلة وزائلة تماماً ولا قيمة لها على الإطلاق أمام فجيعة خسارة إنسان غالي في لحظة خاطفة ودون إشعار مسبق. وبيّن له بكل صدق أنه لم يشكره على الزيادة حين أتاه بها لأنه لم يكن يستشعر أصلاً قيمة المال أو معناه في تلك اللحظة التي كان فيها قلبه يحترق، ولم يعترض على الخصم لأنه لم يره أمراً يستحق الصراع أو إهدار طاقته النفضية، فالصدمة والحزن الكبيران جعلا كل الخسائر الأخرى صغيرة جداً وتكاد تكون معدومة، ولم يكن يريد إدخال وجع جديد أو صراع تافه على قلبه المنهك أصلاً. خيم السكون الرهيب على أرجاء المكان، وكان الصمت أبلغ وأشد فتكاً من كل تعبير لغوي ممكن. شعر صاحب المخبز بندم شديد يعتصر قلبه لأنه تسرع في الحكم عليه وعاقبه وخصم من تعبه دون أن تتبين له الظروف القاسية التي يمر بها، وأدرك في تلك اللحظة المتأخرة أنه يقف أمام إنسان عظيم يختزن في داخله تجربة مريرة وقاسية تفوق عمره الصغير بكثير. ظل الشاب واقفاً بثبات صلب، وبقي صاحب العمل عاجزاً تماماً عن الكلام، يستوعب الدرس الأخلاقي العميق الذي مفاده أن الناس لا تقاس أبداً بظواهر أفعالها السطحية ولا بردود أفعالها اللحظية، بل بما تخفيه صدورهم من أحزان وأسرار لا يعلمها إلا الله. لكن ما نطق به الشاب بعد ذلك لم يكن مجرد تبرير عابر لسكوته وغيابه، بل كان سراً أعمق وأعظم جعل كل من يسمعه يعيد حساباته الشخصية مع نفسه ومع الحياة، غير أن ما جرى لاحقاً في تلك الأيام القادمة كان أكبر وأعظم بكثير من كل ما مرّ عليهم من أحداث، ليصبح هذا الشاب رمزاً خالداً للصبر والوفاء والتعالي على جراح الدنيا ومغرياتها الزائفة.