صمت الخباز
بين جدران دكّان قديم يفوح منه عبق الخبز الطازج مع كل فجر عراقي أصيل، كان هناك صمتٌ يخفي وراءه درساً لا يُنسى وقصة حياة تختزل أعمق معاني الصبر والوجع الإنساني. في أحد الأحياء البغدادية العريقة التي تضج بعبق التاريخ وأزقتها الملتوية، كان يدور روتين يومي هادئ لشاب عُرف بخصاله النبيلة وعمله المخلص في مخبز شعبي يعتمد على الحطب والطين. كان يبدأ مهامه قبل أن تستيقظ المدينة ويهدئ صخبها، يعجن الدقيق بجد ونشاط، ويستقبل الزبائن بابتسامة دافئة رغم إرهاق الساعات الطويلة والتعب الشديد الذي كان ينحت على وجهه الصغير ملامح الكبار. عرف الجميع حسن خلقه وأمانته، فلم يره أحد قط غاضباً أو متضجراً أو شاكياً مهما زاد عليه الجهد البدني أو قلّت راحته في ذلك المكان المزدحم بروائح الدخان والعجين. كان يمارس عمله بصمت مطبق ورضا تام، لا ينتظر ثناءً من أحد، ولا يطالب بزيادة في أجره البسيط، بل كان يعمل بضمير حي وكأن المخبز ملكه الخاص الذي ورثه عن آبائه، وهو ما جعله مميزاً ومحبوباً للغاية لدى صاحب العمل ولدى كل من تردّد على المكان لشراء خبز الصباح. وفي يوم من الأيام، وبشكل مفاجئ وغير متوقع، لم يحضر الشاب إلى المخبز في موعده المعتاد دون أي سابق إنذار أو رسالة تفسر غيابه. دُهش صاحب العمل كثيراً من هذا الغياب المباغت، فالف شاب لم يعتد التأخر قط ولم يُعرف عنه الانقطاع أو الإهمال طوال مدة عمله معه. بدأ الرجل يساوره القلق ويفكر في أمر هذا الشاب الهادئ، محلالً الأمور في ذهنه، ومرجحاً أنه ربما يمر بظروف قاهرة وصعبة أو أنه يحتاج إلى مبلغ مالي إضافي ولكنه يستحي من السؤال وطلب السلفة بكرامته المعهودة. ومن باب نبل الأصول والأخلاق التي يحملها صاحب المخبز تجاه عماله، قرر من تلقاء نفسه أن يمنحه زيادة بسيطة ومناسبة في أجرته الأسبوعية حين يعود، من دون أن يحرجه بسؤال أو يضعه في موقف محرج يضطره لتبرير حاجته، ظناً منه أن هذه اللفتة الإنسانية ستسانده بصمت وتعين على عبء أي ضيق مادي يمر به وتحفظ له كرامته وعزته بين زملائه. وفي اليوم التالي مباشرة، عاد الشاب إلى عمله بكرامته المعتادة وهدوئه المعهود وكأن شيئاً لم يكن؛ ارتدى مئزره الملطخ بالدقيق وبدأ ممارسة روتينه اليومي المعتاد بنشاط وهمة دون أن يبرر غيابه بيوم أمس، مفضلاً كعادته الصمت على كثرة الكلام والتوضيح. لكن أثناء ساعات العمل، وقع ضغط هائل وزحم غير مسبوق في المخبز وتأخرت بعض طلبات الزبائن الملحة، فاستبد الغضب بصاحب المخبز وفقد سيطرته على أعصابه وانفعل بشدة ودون تفكير عواقب الأمور، وقرر في تلك اللحظة العابرة من الغضب وطيش اللحظة أن يقتطِع الزيادة التي وضعها له بالأمس وكأن نية الخير الصادقة تلاشت في مهب رياح العصبية الزائفة. وحين حل موعد تسليم الأجور في نهاية الأسبوع الطويل، استلم الشاب مبلغه ناقصاً عن المعتاد وعن ما كان يتوقعه أو يفترض استلامه. عدّ النقود ببطء شديد وهدوء تام دون أن تتغير ملامح وجهه الهادئة أو تظهر عليه أية علامة من علامات التذمر، ثم رفع نظره وقال بصوت هادئ ومستقر: "شكراً جزيلاً"، وأخذ المال في جيبه ومضى في سبيله دون أي اعتراض أو نقاش. كان موقفه هذا يدعو للدهشة العميقة والاستغراب الحقيقي، فأي شخص آخر في مكانه كان سيتساءل باندهاش أو يحتج بغضب على نقصان أجره، لكن هذا الشاب تصرف وكأن المال بأسره لا يعنيه إطلاقاً وكأن الدنيا بما فيها لم تعد تستحق منه وقفة صراع أو جدال. بدأ الشك والفضول العميق يساوران صاحب المخبز تجاه هذا الهدوء المخيف والمريب، وشعر بكل جوارحه أن وراء هذا التصرف اللامبالي سراً كبيراً لا يعلمه ويخفيه الشاب خلف جدار صمته البليغ. وفي ختام اليوم بعد أن هدأت حركة الزبائن وانصرف الجميع، استدعاه صاحب العمل وجلس معه جانباً وسأله بصراحة بالغة: كيف لك أن لم تشكرني حين زدتُ في أجرك بالأسبوع الماضي،