كرامتي المنسية بقلم منال علي
الدقايق اللي بعد المكالمة دي كانت تقيلة وبتمر كأنها سنين. حسام كان رايح جاي في الصالة زي الديب الأسير بعصبية ويركل في الكراسي، وأمينة هانم عمالة تشد في هدومه وتحاول تهديه وتكتفه، لكنه مكانش سامع ولا شايف حد وعينه بتطلع شرار.
وأنا حاطة إيدي على خدي اللي بدأ يسخن ويولع نار من أثر الضربة وببص من شباك الريسبشن. ليل شتا القاهرة البارد ومطر خفيف بينزل على الإسفلت تحت. ولأول مرة في حياتي حسيت إن دقات الانتظار دي هي طوق النجاة الوحيد ليا.
بعد ١١ دقيقة بالظبط، جرس الباب رن بعنف وقوة، والباب اتفتح بقوة.. دخل اتنين ظباط شرطة بالبدلة الميري، ملامحهم حاسمة وجادة ومفيش فيها هزار: — «فين الأستاذ حسام الشرقاوي؟» قالها واحد منهم بثبات وهيبة: — «حضرتك مطلوب معانا في القسم حالًا.»
حسام اتلخبط ووشه جاب مية لون وبص لأمه بنظرة عيل صغير مستنيها تخلص له الحوار وتنقذه كالعادة. لكن أمينة هانم المرة دي كانت مذهولة وساكتة تمامًا من الصدمة، شفايفها بس اللي كانت بتهتز وهي بتقول بنبرة مكسورة: — «يا ابني..»
صوت الكلبشات الحديد وهو بيقفل على إيده وعمل تكة كان هادي، لكن التكة دي قسمت حياتي نصين.. نص انتهى ونص بدأ. نور كانت بتعيط وتترعش في الزاوية، وكريم واقف مصدوم ومبرق كأنه تمثال من حجر، والمعازيم بيبصوا لبعض في خزي ومش عارفين يلموا نفسهم ويمشوا إزاي.
أما أنا فكنت قاعدة في مكاني المعتاد في آخر السفرة؛ لا كنت فرحانة وشمتانة، ولا حاسة إني مكسورة ومتهانة، بس كان فيه حالة صمت وسلام غريبة وجميلة جوايا.. راحة بال وعزة نفس أول مرة أحس بيها من سنين طويلة.
ولما الباب اتقفل وراهم والظباط خدوه ونزلوا، أخدت نفس عميق جدًا مل الصدر؛ يمكن ده أول نفس حقيقي ونظيف أخلصه من يوم ما اتجوزت.
— «يا نادية..» قالتها أمينة هانم بصوت مرعوب ومهزوز لأول مرة من يوم ما عرفتها: — «عملتي كده ليه وخربتي بيتك وفضحتنا؟»
قمت ببطء وثقة وبعدت الكرسي لورا، وبصيت لها في عينها مباشرة من غير خوف: — «عشان أخيرًا تفهموا وتعرفوا إني لحم ودم وموجودة، وإن ليا كرامة تتداس برقابكم كلكم.»
الصالة كانت هادية هدوء مرعب شبه المقابر، حتى صوت دقات الساعة المعلقة في الصالة انعدم. لبست الجاكيت بتاعي، ومسكت شنطة إيدي، ومشيت بثبات ناحية الباب. ومن ورا ضهري كانت همسات وجرجرة الضيوف شغالة، كأنها صدى سنين طويلة ضاعت وهدرت من عمري في المكان ده.
نزلت الشارع؛ الهوا كان ساقع وتلج لكنه كان نظيف ومنعش وبيغسل الروح. وقفت لحظة في نص الرصيف، ورفعت راسي للسما واخدت نفس طويل، ولأول مرة من سنين حسيت بطعم الحرية بجد.
بعدها بـ ٣ أيام، كنت قاعدة في صالة شقة منى صاحبتي. قدامي كوباية ينسون دافية وبتطلع دخان، وعلى الترابيزة قدامنا محضر رسمي مختوم بختم النسر.. المحضر اللي أخيرًا اتكتب فيه حقي واسمي أنا.. نادية.
منى بصتلي بهدوء وابتسامة تشجيع وقالت: — «جاهزة يا نادية للخطوة الجاية؟»
ابتسمت لأول مرة من قلبي وبصدق: — «أيوه يا منى دلوقتي أنا بقيت جاهزة فعلًا ومفيش أي حاجة تكسرني.»
ولأول مرة في حياتي كلها، ماكنتش خايفة من بكرة؛ لا خايفة من حسام وتهديده، ولا خايفة من نظرة المجتمع والوحدة، ولا حتى خايفة من الصمت وسكوت الشقة.
كأن الدنيا أخيرًا قررت تفتح لي صفحة جديدة وتبدأ من أول وجديد: من غير خوف.. من غير إهانة وضرب.. من غير وجع يكسر النفس.. بس بصوت كرامتي ونفسي أنا.
تمت