روحت أجيب بنتي اللي عندها 19 سنة بعد ما خلصت شغلها الصيفي في قرية سياحية، ولقيتها شايلة بيبي

لمحة نيوز

لكن المأساة لم تتوقف هنا؛ فقد تعرضت هدى لمضاعفات صحية خطيرة ونزيف حاد بعد الولادة بأيام قليلة، وساءت حالتها بشكل مفاجئ حتى أدركت د资产ها دنو أجلها. وفي لحظاتها الأخيرة، وهي ممسكة بيد سارة في غرفة العناية المركزة، استحلفتها بالله ألا تترك ابنتها تضيع في الشوارع أو تودع في ملاجئ لا تعرف مصيرها فيها، وقالت لها: "انتي أنضف إنسانة قابلتها.. سلمتلك بنتي أمانة قدام ربنا". توفيت هدى، تاركة خلفها شهادة ميلاد رسمية للطفلة باسمها واسم زوجها الهارب، ووصية خطية مليئة بالدموع تسلم فيها رضيعتها أمانة في يد سارة.

قالت سارة وهي تمسح دموعها وتنظر نحو الرضيعة النائمة: "يا ماما لما هدى ماتت والدنيا اسودت في وشي، مقدرتش أسيب اللحم الرخيص ده لأي حد، حسيت إن ربنا حطني في طريقها لحكمة.. الطفلة دي مالهاش ذنب في قسوة الدنيا، قعدت معاها الأسبوعين اللي فاتوا في أوضتي ومكنتش عارفة أقولك إزاي غير لما آجي وأحطها بين إيديكي".

تنكست كريمة برأسها، وشعرت بمزيج غريب من الفخر بنبل ابنتها وإنسانيتها، والرعب الشديد من وطأة الواقع. رفعت رأسها وقالت بحزم: "يا سارة، النية الطيبة والقلب الرحيم مش كفاية في الدنيا دي! إحنا في مجتمع له قوانين وله أعراف. أنتي بنت لسه في أول عمرك، لو حد شافك شايلة طفلة هيلبسوكِ الغلط وسمعتك هتتداس بالأقدام ومحدش هيرحمك ولا هيصدق حكايتك. غير كده، إحنا قانونا ممكن نتحاسب بتهمة احتجاز طفلة أو إخفائها! دي مسؤولية دولة ونظام، مش عاطفة".

لم يكد الصباح يسفر عن ضيائه حتى ارتفعت حرارة الرضيعة فجأة، وبدأت تبكي بصوت متواصل ومتقطع ينذر بالخطر. سادت حالة من الهلع داخل الشقة؛ فلا يمكنهما إعطاؤها أي دواء عشوائي، ولا يمكن التوجه بها إلى أي مشفى حكومي دون أوراق رسمية وإثبات يربطهما بها تفاديا للسين وجيم وإبلاغ الشرطة الفوري. هنا قررت كريمة اللجوء إلى الشخص الوحيد الذي تثق في أمانته وحكمته: الدكتور فؤاد، استشاري الأطفال وصديق والد سارة الراحل منذ أيام الجامعة.

اتصلت به كريمة وطلبت منه القدوم إلى عيادته الخاصة قبل موعد العمل الرسمي بساعة لأمر طارئ وحيوي. وصلتا إلى العيادة المغلقة، ودخلتا من الباب الخلفي. تفحص الدكتور فؤاد الطفلة بدقة، وقدم لها الرعاية العاجلة وخافض الحرارة والمحلول المغذي حتى استقرت أنفاسها. وعندما جلس خلف مكتبه، استمع إلى الرواية كاملة دون مقاطعة، ثم وضع نظارته على المكتب وتنهد بعمق.

قال الدكتور فؤاد بنبرة هادئة ورزينة: "يا كريمة، سارة عملت اللي يمليه عليها ضميرها ودينها، وده أصلها الطيب وتربيتك فيها.. لكن كلامك صح، العواطف لازم يحميها القانون عشان متحولش العمل الإنساني لكارثة اجتماعية تدمر مستقبل سارة. إحنا لازم نمشي في النور ومن أول خطوة".

تولى الدكتور فؤاد زمام المبادرة بالتنسيق مع مستشار قانوني موثوق ووزارة التضامن الاجتماعي. توجهوا برفقة الأوراق الثبوتية التي تركتها الأم الراحلة، بما فيها عقد الزواج الرسمي وشهادة الميلاد والوصية المكتوبة وإفادة وفاة الأم من المستشفى، إلى الجهات المعنية لإثبات الواقعة بدقة. فتح محضر رسمي يوضح كل تفاصيل الحادثة وشهادة العاملين في القرية السياحية الذين أكدوا صدق كلام سارة ورعايتها لزميلتها حتى وفاتها، وبذلك رُفعت أي شبهة جنائية أو مجتمعية عن الفتاة الشابة.

ولكن الحكاية لم تنتهِ عند هذا الحد؛ فحين كان من المفترض تسليم الطفلة لدار رعاية مؤقتة لحين البت في وضعها، تقدمت كريمة بطلب رسمي لـ "كفالة الطفلة والاحتضان في إطار الأسر البديلة". لقد دخلت تلك الرضيعة البريئة قلب الأم كريمة كما دخلت قلب سارة، وشعرت أن الله أرسل هذه الروح لتملأ البيت الذي خلا بموت زوجها بالدفء والبركة، ولكن هذه المرة تحت مظلة الشرع والقانون وأعين المجتمع كله برأس مرفوعة.

مرت الشهور، وأتمت الجهات المختصة كافة الإجراءات والبحوث الاجتماعية للتأكد من أهلية أسرة كريمة لكفالة الطفلة. أطلقوا على الصغيرة اسم "نور"، ليكون اسما على مسمى، فقد أضاءت البيت بضحكاتها الأولى وخطواتها المتعثرة. أما نظرات الجيران وتساؤلاتهم، فقد تبددت تماما أمام صراحة الموقف ووضوحه والتوثيق الرسمي، بل تحول فضول الحي إلى احترام عميق لموقف أسرة أثبتت أن الشهامة والستر والرحمة ليست مجرد شعارات، بل أفعال شجاعة تُمارس في وضح النهار وفق الضوابط التي تحفظ كرامة الإنسان وتصون شرفه.

تم نسخ الرابط