روحت أجيب بنتي اللي عندها 19 سنة بعد ما خلصت شغلها الصيفي في قرية سياحية، ولقيتها شايلة بيبي
كانت الشمس تميل نحو المغيب حين وقفت كريمة أمام بوابة سكن العاملين في ذلك المنتجع الساحلي، وعيناها معلقتان بباب الخروج المعدني. خمس سنوات مرت على وفاة زوجها ورفيق عمرها، لم تكن فيها سارة مجرد ابنة وحيدة بل كانت محور حياتها وقطعة من روحها. كل تضحية قدمتها في عملها كمدرسة، وكل ليلة سهرتها في تدبير مصاريف البيت، كانت لأجل أن ترى سارة فتاة قوية، واثقة من نفسها وناجحة في دراستها الجامعية. ولأنها كانت تدرك أن ابنتها لم تعد تلك الطفلة الصغيرة، وافقت على مضض حين أصرت سارة في بداية الصيف على خوض تجربة العمل الموسمي كمسؤولة علاقات عامة في القرية السياحية لتعتمد على ذاتها وتكتسب خبرة حقيقية.
حين انفتح الباب وخطت سارة خطواتها الأولى نحو السيارة، تنفست كريمة الصعداء وفتحت ذراعيها لاستقبالها، لكن الابتسامة تجمدت على شفتيها فجأة، وتحولت نظرة الشوق في عينيها إلى ذهول شل حركتها. لم تكن سارة تسحب حقيبة ملابسها فقط، بل كانت تحتضن بين ذراعيها لفة قماشية بيضاء ناصعة، يخرج منها وجه صغير لمولودة حديثة الولادة تكاد تغلق عينيها في هدوء ملائكي. نزلت كريمة من السيارة بخطوات متثاقلة، يدها على مقبض الباب وعقلها يرفض استيعاب المشهد. وقفت أمام ابنتها التي بدت شاحبة، ترتجف شفتيها وتداري دموعها بابتسامة باهتة.
سألتها كريمة بصوت مخنوق يكاد يخرج من صدرها كحشرجة: "سارة؟ بنت مين دي يا بنتي؟"، لتجيبها الفتاة بصوت مرتعش وعينين تتوسلان الأمان: "ماما... دي بقت بتاعتي خلاص.. أرجوكي يا ماما اركبي العربية ونتكلم، الناس هنا بتبص علينا". كانت نظرات الحراس وزوار المكان تدور حولهما بفضول، فأدركت كريمة أن أي كلمة إضافية في هذا المكان قد تفتح بابا لا يمكن إغلاقه. فتحت الباب الخلفي بيد مرتجفة، دخلت سارة بالطفلة، وجلست كريمة خلف عجلة القيادة، تدير المحرك وعيناها مثبتتان في المرآة العاكسة على ملامح ابنتها التي احتضنت الصغيرة كأنها كنز تخشى أن يسلبه منها أحد.
كان الطريق الصحراوي الممتد لثلاث ساعات يبدو كأنه دهر كامل. الصمت داخل مقصورة السيارة كان ثقيلا يمزقه من حين لآخر صوت أنفاس الطفلة الضعيفة وحفيف إطارات السيارة على الأسفلت. كانت الأفكار السوداء تنهش في رأس كريمة: ماذا يعني "بتاعتي"؟ هل أخطأت ابنتها في غفلة من الزمن؟ هل تورطت في زواج سري؟ كيف تغيب عن عين أمها تسعين يوما وتعود برضيعة؟ الشكوك كادت تفتك بقلب الأم، وعادات المجتمع الشرقي وتقاليده الصارمة كانت تصرخ في عقلها، فالشرف والسمعة في مجتمعاتنا ليسا مجرد كلمات، بل هما جدار أمان إن تصدع هوى البيت كله فوق رؤوس أصحابه. لكنها تماسكت وقبضت على المقود بقوة، مكررة في سرها الاستغفار والدعاء بأن تكون هناك حقيقة أخرى تبرئ ابنتها وترفع هذا الكابوس.
وصلتا إلى البناية في وقت متأخر من الليل. تسللت كريمة وسارة عبر الدرج بحذر شديد حتى لا تلتقيا بإحدى الجارات الفضوليات، خاصة أم إبراهيم التي لا يفوتها شاردة ولا واردة في الحي. وبمجرد أن أغلق باب الشقة الخشبي ووضع الترباس في مكانه، انفجرت كريمة. أغلقت ستائر الصالة والتفتت إلى سارة بعينين دامعتين ونبرة حاسمة يختلط فيها الغضب بالخوف: "دلوقتي حالا تفهميني في إيه! البنت دي مين وأهلها فين؟ لو فاكرة إنك هتخبي عليا حاجة تبقي غلطانة. اتكلمي يا سارة قبل ما يجرالي حاجة، انتي خبيتي عليا إيه طول الصيف؟".
جلست سارة على الأريكة، وضعت الطفلة برفق فوق وسادة حريرية، ثم انهمرت في بكاء مرير، وارتمت تحت أقدام والدتها تمسك بيديها: "والله العظيم يا ماما ما عملت حاجة غلط، ولا خنت ثقتك فيا ولا لحظة واحدة! اسمعيني بالله عليكي وافهمي الحكاية من أولها". ربتت كريمة على رأس ابنتها بقلب الأم الذي يرجو الطمأنينة، وطلبت منها أن تقص كل شيء دون أن تسقط تفصيلة واحدة.
بدأت سارة تروي الحكاية وصوتها يتهدج من فرط التأثر. كان في القرية السياحية زميلة لها في قسم التدبير الفندقي تُدعى هدى، فتاة يتيمة نشأت في إحدى دور الرعاية، ولم يكن لها في الدنيا سند. قبل عام تزوجت هدى رسميا من شاب كان يعمل في بلدة مجاورة، لكنه ما إن علم بحملها حتى هرب وتركها بلا مال ولا مأوى خوفا من المسؤولية. عاشت هدى طوال شهور الحمل تخفي معاناتها، حتى داهمتها آلام المخاض مبكرا في سكن العاملات قبل أسبوعين. تولت سارة رعايتها ونقلها إلى مستشفى حكومي في أقرب مدينة، وهناك وضعت طفلتها الجميلة.