أمي رفضت تدخل بيتي

لمحة نيوز

شقتي بالظبط.
أغلقت المكالمة في وجهي، من غير ما تقول كلمة تانية. بعد أقل من نصف ساعة كانت عندنا. دخلت لأول مرة من غير سلام، من غير ما تطرق الباب، وجهها عابس، وعيناها بتدور في الشقة كأنها بتشوفها لأول مرة بغير ما كانت تعرفها. أخدت العقد من إيدي بسرعة، وبصت لتوقيع أمي، وقرأت الاسم والتاريخ بصوت منخفض، ثم قالت لجوزي بلهجة لوم وغضب أنا قلت لأبوك يحرق الورق ده من زمان، قلت له ده هيجيب لنا مشاكل، لكنه كان عنيد ومش بيسمع كلام حد.
بصيتلها بصدمة، قلبي كان بيدق لحد ما كنت أسمعه في وداني يعني إنتِ عارفة؟ عارفة كل ده من زمان؟
قعدت على الكرسي القريب، ويديها على ركبتيها، وبدت كأنها كبرت عشر سنين في دقائق. وقالت بصوت ثقيل ومتردد أمك ما كانتش بترفض تدخل البيت لأنها مش مرتاحة فيه يا بنتي. السبب كان أعمق وأقوى من كده بكتير. أمال ليه؟ ليه كانت ترفضه بكل إصرار؟
رفعت عينيها ناحية طرقة الشقة، وبالتحديد ناحية أوضة بنتي نور، الباب اللي كان مفتوح شوية ونرى فراشها وألعابها. قالت ببطء وكأن كل كلمة بتكلفها جهد لأن الأوضة دي كانت أوضتها هي. أوضة عرسها، أوضة حياتها اللي كانت بتتمناها، أوضة كل أحلامها اللي اتكسرت جواها.
حسيت جسمي كله ساقع، دمي بقي بارد، ومش عارفة أتحرك ولا أتكلم. جوزي صرخ فجأة، واقف ومش عارف يروح فين ماما، كفاية! قلتلك من قبل ما تفتحيش الموضوع ده، ده هيدمر كل حاجة!
لكنها كملت، مش بتسمع له، وكأنها كانت بتستنى الفرصة دي من سنين تفرج عن اللي في قلبها من 20 سنة، أمك خرجت من الشقة دي في نص الليل وحلفت إنها عمرها ما ترجع لده البيت ولا تضحك في أي حاجة تخصه. خرجت وهي مكسورة، ومحدش كان يعرف أين تروح ولا إيه صار لها إلا بعد سنين. ليه؟ ليه خرجت؟ وإيه اللي صار بالظبط؟
حماتي بصت لجوزي نظرة عتاب، ثم قالت لي وهي بتشاور عليه اسألي جوزك أبوه مات فين فعلًا، وإيه اللي كان بينه وبين أمك قبل ما يجي يخطبك من بيتها.
جوزي وقف فجأة، وجهه احمر، وبدأ يتنفس بسرعة، لكن في اللحظة دي بنتي نور خرجت من أوضتها، ماسكة صندوق خشب صغير بنقوش قديمة، وشعرها متفكك، وقالت بصوتها الناعم اللي دايماً بيريحني لكنه دلوقتي زاد وجعي ماما أنا لقيت ده تحت لوح مفكوك في أرضية أوضتي، كان مخبي جوا حفرة صغيرة، وشكله قديم أوي.
أخدت الصندوق من إيديها، ويدي كانت ترتجف أكتر من أول مرة. كان عليه اسم أمي محفور بخط واضح سمية، وتحته جملة صغيرة محفورة بعمق لو بنتي سكنت هنا يومًا يبقى هما كذبوا عليها زي ما كذبوا عليّ.
رفعت عيني ناحية حماتي، لكنها كانت بتتراجع ناحية الباب، وجهها ممتقع، وتقول بصوت متقطع أنا ماليش دعوة جوزي هو اللي عمل كل حاجة، أنا كنت مجبرة أتكتم، مكنتش أقدر أعمل حاجة قدامه. عبد العزيز هو اللي خطط لكل ده من أوله لآخره.
فتحت الصندوق ببطء، قلبي كان بيقطع، وكل ثانية كانت بتزيد الخوف جوايا. وأول حاجة شفتها جواه كانت صورة قديمة لأمي، وهي شابة، في أوائل العشرينات، وجهها مشرق وعيناها بتضحك، واقفة في نفس صالة بيتي بالظبط، نفس الورق على الحيط، نفس الشباك اللي بيشرف على الحديقة القديمة، ونفس الأريكة اللي كنت قاعدة عليها دلوقتي. وبجوارها أبو جوزي عبد العزيز، وهو شاب كمان، ويده على كتفها، وكلاهما مبتسم. لكن اللي خلاني أفقد القدرة على الكلام والتنفس إن أمي كانت لابسة فستان فرح أبيض، ومسكة في يدها بوكيه ورد أبيض، وقلادة في عنقها كانت هدية مني لما كنت في الثانوية، قالت لي إنها هدية من صديقة عزيزة.
وقعت الصورة من يدي، وبدأت أخرج باقي محتويات الصندوق خطابات مكتوبة بخط أمي، وصل دفع مبلغ كامل لشراء الشقة، ورقة عقد زواج قديمة، ومذكرة مكتوبة بخطها بسرعة كأنها بتكتبها وهي مستعجلة اليوم كتبت عقدي مع عبد العزيز، حبيبي اللي وعدني بحياة سعيدة. اشترى لي الشقة دي بفلوسي اللي كنت جمعتها من عمل السنين، قال لي هنبقى ملكها سوا، هنعيش فيها أحلى أيام. بس ليه قلبي حاسس إن فيه حاجة غلط؟ ليه ما بيعرفنيش على أهله؟ ليه دايماً يقول لي إنهم مسافرين؟ خايفة خايفة أكون وقعت في فخ ما أعرفش أطلع منه.
قرأت المذكرة بصوت عالٍ، وجوزي كان واقف ساكت، وعيناه مليانة دموع، وحماتي رجعت وقفت مكانها، ومش قادرة تمشي. كملت أقرا باقي الأوراق مر شهر على زواجنا، وعبد العزيز ما زال يقول لي أهله جايين قريب. اليوم شفت ورقة في جيبه، اسمها زينب، ومكتوب عليها عقد زواج بتاريخ قديم. سألته، قال لي إنها زوجة قديمة وماتت، لكنه ما كانش صادق. اليوم جت لي هي بنفسها، وقالت لي إنها زوجته من سنين، وعندهم ولد اسمه أحمد، وإن عبد العزيز ما طلقها أبدًا، وإن زواجي منه باطل ومش موجود. قالت لي إنه أخذ فلوسي عشان يصلح حالهم، وإنهم كانوا عايزين الشقة دي تضل لولدهم أحمد. حسيت الدنيا ضاقت عليا، وقلبي اتقطع. حلفت إنهم ما ياخدوا حقي، وإن الحقيقة تطلع يومًا مهما طال الزمن.
تم نسخ الرابط