أمي رفضت تدخل بيتي
أمي رفضت تدخل بيتي من يوم ما اتجوزت، في الأول افتكرت إنها زعلانة مني. يمكن كنت نسيت أجيب لها رأيي في حاجة، أو يمكن كانت شايفة إن الجواز ده جابني بعيد عنها، أو ربما كانت عندها خوف من المستقبل مش عارفة تفسّره. كل ما أعزمها تقول بصوت ناعم لكن حازم مش بيتغير معذرة يا بنتي لست مرتاحة في هذا البيت.
كنت أضحك وأقول، ومش عارفة إن كلامي ده بيدق جواها جروح قديمة ما بتبدأش تندمل ماذا فعل لكِ البيت يا أمي؟ ده شقة نظيفة، مش بعيدة عن بيتك، كل حاجة فيها على قدّ إيدنا.
فتغير الموضوع فورًا، تسألني عن دروس الأولاد، عن أكلة بحبها، عن أي حاجة غير إنها تدخل الشقة دي. حتى يوم ما ولدت بنتي نور، جت تزورني في المستشفى، كانت عينيها مليانة دموع، حاضنتني وحاضنت نور كأنها خايفة تضيعنا، لكن لما رجعت البيت رفضت تيجي معانا. قالت لي وهي بتشد إيدي وتضغط عليها كأنها بتوصيني بسر ما تقولوش خليني أروح بيتي يا حبيبة قلبي، ارتاحي إنتِ والبنت، وأنا جاية أزورك بكرة عندي.
فضل الوضع كده سنين طويلة. أنا أروح لها كل جمعة، أحمل لها الأكل اللي بتحبه، الأولاد يزوروها، يلعبوا قدام بيتها، هي تفرح بهم وتعطيهم حلويات، لكن هي عمرها ما عدت باب شقتي. كنت أحسّ بوجع في قلبي كل مرة أودعها عند الباب، أقول في نفسي يمكن هي كبرت، وكل بيت ليها ذكرياتها، وده مش عيب، لكن جوايا كان فيه سؤال صغير مش بيفارقني ليه بالظبط؟ ليه البيت ده بالذات؟
قبل وفاتها بأيام، كانت طريحة الفراش، جسمها ضعيف، صوتها بيتقطع، لكن عينيها لسه بتشوف كل حاجة. كنت قاعدة جنبها، أمسك إيديها الباردة، فسألتها للمرة الأخيرة، بصوت كله رجاء يا أمي، إنتِ ليه عمرك ما دخلتي بيتي؟ قوليلي الحقيقة قبل ما تمشي، عشان ما أضلش أسأل نفسي طول عمري.
بصتلي نظرة غريبة، نظرة كأنها شايفة حاجات ورايا، حاجات من زمن بعيد، وقالت بصوت خافت وثقيل لأن في أبواب لو دخلناها تاني حاجات كتير مدفونة بتصحى. ومدفونة بتبقى أمان أكتر يا بنتي، صدقيني.
افتكرت إنها بتتكلم من التعب، إن الحمى اللي كانت ماسكتها خلطت عليها الكلام. مسحت على شعرها وقلت لها مش هتحتاجي تدخلي أي باب تاني يا ماما، كل حاجة هتبقى تمام، ومش عارفة إن كلامها ده كان إشارة أخيرة، وإن الحقيقة كانت بتستنى تطلع بالطريقة دي أو دي. وماتت بعدها بأسبوع، في صباح هادئ، كانت ماسكة إيدي لحد ما سكت أنفاسها، وآخر كلمة قالتها كانت اسمي.
بعد وفاتها، بدأت أرتب أوراقها، في الغرفة الصغيرة اللي كانت بتجلس فيها دايماً، أوراق مرتبة بدقة، كل حاجة في مكانها، وكأنها كانت مستعدة لأي يوم يجي. وسط ملف قديم مغلف بجلد بني، مكتوب عليه أوراق خاصة، لقيت عقد شقة. فتحت أشوفه عشان أعرف إيه ده، يمكن ورقة ميراث أو حاجة تخصها، لكن العنوان خلاني أقف مكاني، قلبي وقع في رجليا، ويدي ارتجفت لحد ما كاد الورق يقع مني. كان عنوان شقتي. نفس العمارة، نفس الدور الثالث، نفس رقم الشقة. لكن العقد تاريخه قبل جوازي ب 20 سنة، بالتحديد في شهر أكتوبر من سنة 1996. والأغرب والأصعب في الأمر أن اسم المشتري كان اسم أمي بالكامل سمية عبد الحميد رمضان، بتوقيعها الواضح اللي كنت بحفظه من كل الرسائل اللي كانت تكتبها لي صغيراً.
رجعت البيت وأنا ماسكة العقد، مش عارفة أصدق اللي شفته، كل خطوة كانت بتقول لي حاجة، وكل ذاكرة قديمة بدأت ترجع ومش عارفة أربط بينها. أول ما جوزي أحمد شافه، وشه اتغير فجأة، لون الوجه سابح، ويده ارتجفت وهو بيحاول يبقى طبيعي. سألته بصوت حاولت أكون هادئة فيه رغم إن جسمي كله بيرتجف إنت تعرف حاجة عن ده؟ قولي الحقيقة من أولها، مش عايزة كلام من هنا وهناك.
قال بسرعة زي ما يكون بيتحاشى السؤال أكيد تشابه عناوين يا حبيبة قلبي، كتير من الشقق ليها أرقام متشابهة، يمكن خطأ في الكتابة أو حاجة زي كده.
حطيت العقد قدامه على الطاولة، وأشرت للبيانات رقم العقار مسجل هنا، ورقم القطعة الأرضية، ورقم الشقة، واسم الحي، وكل حاجة متطابقة بنسبة مئة في المئة يا أحمد. ده مش تشابه، ده نفس الشقة بالظبط.
سكت، راح يشوف الشباك، يلعب في أصابعه، مش عارف يقول إيه. سألته تاني، بصوت بدأ يعلو إنت قلتلي إن الشقة دي كانت ملك أبوك عبد العزيز، وإنك اشتريتها منه بفلوسك اللي جمعتها، صح؟ أيوه، ده اللي صار. أمال أمي اشترتها قبل كده بعشرين سنة إزاي؟ وإن كانت اشترتها، ليه ما كانتش عايشة فيها؟ وليمين راحت ملك أبوك من غير ما حد يعرف؟
فجأة رن تليفون حماتي زينب. مش عارفة ليه، لكن قلبي قفز، وعرفت إنها عارفة كل حاجة. رديت عليها مباشرة، من غير سلام ولا كلام زائد لقيت عقد الشقة القديم يا طنط زينب. عقد قديم، قبل عشرين سنة.
سكتت، ثواني طويلة مسموع فيها نفسها بس، وكأنها بتتفكر هل تعترف ولا لا. ثم سألتني بصوت متردد عقد إيه بالظبط؟ مش فاهمة تقصدين إيه يا بنتي. العقد اللي باسم أمي سمية. العنوان نفس