إنتوا مالكوش دخول الفرح… اقفوا بره
إنتوا مالكوش دخول الفرح… اقفوا بره!”
الجملة دي كانت كفاية توقف الزمن.
قدام باب قاعة أفراح فخمة في القاهرة، وقف فرد الأمن وهو محرج، لكن بينفذ اللي اتقاله. قدامه راجل على قد حاله، لابس بدلة قديمة بس نضيفة ومكوية، وفي إيده بوكيه ورد بلدي كان جايبه مخصوص لبنته. وجنبه مراته، لابسة فستان بسيط وفرحانة من قلبها، ومش مصدقة إن بنتها أخيرًا هتبقى عروسة.
الاتنين كانوا واقفين يبصوا لجوه القاعة، على النجف الكبير، والترابيزات المتزوقة، والناس اللي لابسة شيك… وكل اللي نفسهم فيه إنهم يدخلوا يفرحوا ببنتهم.
في اللحظة دي، “ريم” خرجت من أوضة العرايس بعد ما اتأخرت شوية، وأول ما شافت أبوها وأمها واقفين بره، استغربت.
— بابا؟! ماما؟! إنتوا واقفين هنا ليه؟!
قبل ما حد فيهم ينطق، كريم جه وهو بيعدل بدلة الفرح، وبص لأهلها من فوق لتحت بنظرة كلها استعلاء، وقال بصوت عالي:
— الأمن بيعمل شغله… الناس دي مش هتدخل.
ريم افتكرت إنها سمعت غلط.
— نعم؟! الناس دي مين؟!
بصلها ببرود وقال:
— أهلك.
فضلت باصة له كام ثانية ومش مستوعبة.
— إنت بتهزر… صح؟
ضحك ضحكة مستفزة وقال:
— لا والله… بهزرش. بصي حواليكي… جوا عندي رجال أعمال، وأصحاب شركات، وصحافة، وناس مهمة. ينفع يدخلوا يشوفوا نسايبي بالشكل ده؟!
ريم شهقت.
— بالشكل ده إيه؟! دول أبويا وأمي!
قال بمنتهى البـرود:
— يفضلوا يستنوا بره لحد ما الفرح يخلص… وبعدها أبقي أقابلكم براحتكم.
الكلام وقع على قلبها زي السكينة.
أبوها نزل عينه في الأرض، والبوكيه اللي كان ماسكه بدأ يترعش في إيده.
وأمها حضنت شنطتها الصغيرة في حضنها، كأنها بتحاول تداري بيها كسرتها.
ولا واحد فيهم رد. ولا حتى دافع عن نفسه. بس نظرة الحزن اللي كانت في عينيهم كانت أصعب من ألف كلمة.
ريم حست إن الأرض بتهتز تحت رجليها.
إزاي؟! إزاي الراجل اللي فضل طول فترة الخطوبة يقولها إنه بيحب بساطتها، وإنه نفسه في بنت بنت ناس ومحترمة… يعمل كده في أهلها؟!
كانت نفسها تمسك إيد أبوها وأمها وتمشي. بس المشكلة… إن كتب الكتاب كان خلص من أقل من ساعة، والقاعة كلها مليانة معازيم، ولو سابت الفرح دلوقتي… هتبقى فضيحة للكل.
وقفت مكانها، دموعها محبوسة، ومش عارفة تعمل إيه. بس اللي حصل قدام باب القاعة… ماكانش أول مرة كريم يوجعها، دي كانت آخر طلقة… بعد شهور طويلة من التجريح كانت كل مرة تقول لنفسها: “يمكن يتغير.”
من حوالي سنتين… ريم كانت بنت بسيطة من قرية في الفيوم. أبوها راجل فلاح عنده شوية مواشي وأرض صغيرة، وأمها ست بيت طول عمرها شايلة البيت على كتافها. الاتنين كانوا بيشتغلوا من الفجر لحد المغرب، وكل حلمهم يشوفوا بنتهم متعلمة وأحسن منهم. ووريم عمرها ما خيبت أملهم، دخلت كلية الطب البيطري، وكانت بعد المحاضرات تشتغل في كافيه شيك علشان تصرف على نفسها، ومتمدش إيدها لأبوها.
وفي الكافيه ده… دخل كريم. ابن واحد من أكبر رجال الأعمال، وأبوه صاحب سلسلة ماركتات معروفة. أول ما شافها، فضل مركز معاها، وبقى ييجي كل يوم تقريباً، حتى لو مش محتاج حاجة. وبعد كام أسبوع، طلب رقمها ورفضت، رجع طلبه تاني ورفضت. لحد ما قالها:
— والله أنا داخل البيت من بابه… وأنا معجب بيكي بجد.
ومع الأيام… عرف يكسب قلبها. كان دايمًا يقولها:
— أكتر حاجة شدتني ليكي إنك بنت بسيطة… ومش مادية زي غيرك.
وهي كانت بتصدق كل كلمة. لحد ما قبل الفرح بكام يوم… قعدوا بيختاروا آخر تفاصيل الفرح، وفجأة قالها وهو بيقلب في كشف المعازيم:
— على فكرة… خلي بالك، محدش من بلدكم ييجي غير أبوكي وأمك.
ريم بصتله باستغراب.
— يعني إيه؟!
قال وهو مكمل ولا كأن في حاجة:
— أصل بصراحة… منظرهم وسط الناس اللي هتيجي مش هيبقى مناسب.
ساعتها قامت من مكانها وهي متنرفزة.
— إنت تقصد إيه بمنظرهم؟!
رد بكل برود:
— يا ريم… افهمي. إنتي داخلة تعيشي في مستوى تاني… لازم تبقي عارفة إيه اللي يليق وإيه اللي ما يليقش.
اتخانقوا خناقة كبيرة، وهو في الآخر اعتذر… أو هي أقنعت نفسها إنه اعتذر. لكن يوم الفرح… اكتشفت إن الراجل اللي قدامها عمره ما كان ندمان، كان بس مستني اللحظة اللي ينفذ فيها اللي في دماغه.
ريم بصّت لكريم… وبعدين بصّت لأبوها وأمها. في اللحظة دي، كل حاجة جواها اتكسرت. مش الفستان الأبيض… ولا الفرح… ولا حتى حلمها إنها تبدأ حياة جديدة. اللي اتكسر هو إحساسها بالأمان.
قربت من أبوها، ومدت إيدها للبوكيه اللي كان ماسكه، وقالت بصوت مرتعش:
— بابا… إنت كنت جايبهولي؟
ابتسم غصب عنه، وقال: