عيلتي كلها دكاترة

لمحة نيوز

في القاعة الفخمة، أول ما شافتن أمي وشها اتجغير وقالت إني مش مدعوة، وبعدين ظهرت كاميليا وقالت: «أنا قلت لنادر إن ماليش أخت.. ماتبوظيش يومي يا مريم». وقبل ما أرد، سمعنا صوت نادر من على المسرح وهو بيمدح في الشخص اللي ساعده يكون الطبيب اللي هو عليه النهارده ولولا اللي حصل من 9 سنين ماكنتش هقف هنا، وبعدين أشار بإيده وقال: «دكتورة مريم ممكن تطلعي عندي؟». في اللحظة دي شفت أمي بتشد على إيد كاميليا، ولأول مرة ماكانش في عينيها غرور بل خوف حقيقي كأن نادر على وشك يقول شيئًا قضوا 9 سنين بيحاولوا يدفنوه له علاقة بجدتي وبالحائط والبرواز رقم 12 والجملة اللي جدتي ماكملتهاش.

أبويا وقف فجأة وقال بصوت حازم: «نادر كفاية»، لكن نادر كمل وقال إنه هيتكلم عن حاجة حصلت من تسع سنين، وإن منحة عديلة مراد كانت فرصة لفهم الرعاية الحقيقية وإن السبب الحقيقي لمش مش الشخص اللي الناس فاكرينه. أمي صرخت: «نادر!». أخرج نادر ظرف بني كتب عليه اسم «عديلة مراد» وأعطاه لي؛ كان جواه صورة قديمة لحائط الشهادات بنقص شهادة، وعلى ظهرها بخط جدتي: «الحقيقة مش دايمًا بتكون في اللي ظاهر»، ومعها قائمة بأسماء أطباء وملاحظات وتواريخ، وتحتهم اسم جدتي وتتحته: «هي الوحيدة التي عرفت الحقيقة كاملة».

أمي وأبويا ظهر عليهما الخوف، وكاميليا اعترفت بإنها كانت عارفة إن فيه سر وإنها كانت جبانة ووافقت على طردي عشان خافت العيلة تعبرها مسؤولة عن فشلي، لكن أكدت إن ده مش السر الحقيقي. وفي تلك اللحظة، رن هاتف يوسف برسالة من مجهول: «لو عايزة تعرفي ليه طردوكي من البيت اسألي أبوكي عن اللي حصل ليلة وفاة جدتك».

وهنا دخل رجل كبير في السن، الدكتور سامح مراد، أخو جدتي عديلة. قال إنه ماكنش هيسيبني تمشي من غير ما أعرف الحقيقة، وأخرج ظرفًا أبيض فيه ورقة من جدتي تقول فيها: «مريم، خروجك من البيت ماكانش بسبب اختيارك للتمريض، إنتِ اتطردتي لأن اختيارك لمس سرًا قديمًا في العيلة.. قرار كان المفروض يفضل مدفون لحفظ صورة العيلة.. وجدك الكبير نفسه ماكانش عايز أولاده كلهم يدخلوا طب، وكان شايف إن الشخص اللي يختار الرعاية والرحمة مش أقل من الطبيب».

قال الدكتور سامح إن باقي الحقيقة موجود في دار الرعاية القديمة بالبيت الذي باعه أبي واشتراه هو بنفسه وخصص فيه الغرفة رقم 12. توجهت في اليوم التالي مع يوسف والدكتور سامح للغرفة رقم 12 وفتحناها بالمفتاح القديم الذي يحمل نقشنة «لا تفتحوه إلا عندما تعرف مريم لماذا اخترارت التمريض». وجدنا داخل صندوق خشبي دفتر جدتي، وفي آخره شهادة التمريض القديمة الخاصة بها وبجانبها جملة: «لو مريم وصلت هنا، يبقى أخيرًا فهمت إن اختياري للتمريض لم يكن خطأً بل كان بداية الطريق».

اتضح أن جدتي عديلة كانت هي صاحبة الفكرة الأساسية وراء أول مركز رعاية وهي التي بنت سمعته، لكن العيلة نسبت النجاح كله للأطباء وحولت اسمها لمجرد ممرضة. البرواز رقم 12 كان مخصصاً لشهادة التمريض التي اعتبرتها أعظم إنجاز، لكن أبويا خاف أن يقلل ذلك من قيمة العيلة أمام الناس فترك البرواز فارغاً، وطردوني ليس لأن التمريض قليل، بل لأن اختياري كشف كذبتهم القديمة.

رجعت للفرح في اليوم التالي وطلبت من نادر إعلان استمرار «منحة عديلة مراد» بشرط أن يكون برنامجها الجديد مخصصاً للممرضين الشباب لتأكيد أن لكل شخص قيمته. صفق الجميع، واقترب مني أبي معتذراً ودموعه تنزل، وقال إنه ظلمني، فرددت: «خلينا ما نحاولش نمسح الماضي.. لكن ممكن نبدأ من جديد لو أنت مستعد».

بعد شهور، تعلقت على الحائط القديم شهادة تمريض جدتي عديلة وتحتها لوحة: «أحيانًا الشخص الذي تظنه أقل منك يكون هو الشخص الذي علّمك معنى النجاح»، وأما البرواز رقم 12 فوضعت فيه شهادتي أنا للتمريض وبجانبها صورة جدتي بزي التمريض. أخيرًا فهمت، أنا ماخرجتش من عيلتي يوم ما طردوني، أنا خرجت من ظلهم وبنيت لنفسي اسمًا من غير ما أحتاج شهادة جديدة على حائطهم، وأكملت جملة جدتي بنفسي: «إنتِ عمرك ما كنتِ أقل من حد يا مريم».

تم نسخ الرابط