عيلتي كلها دكاترة
عيلتي كلها دكاترة وطردوني لأني اخترت التمريض وبعد 9 سنين ظهرت في فرح أختي، فجوزها وقف وقال إنتوا بجد مش عارفين هي مين؟
عيلتي كلها كانت دكاترة. مش بس أبويا وأمي، كان عندنا 3 أجيال من الأطباء، لدرجة إن بيتنا كان فيه حائط كامل متعلّق عليه شهادات الطب، 11 شهادة في برواز غالي، وتحتها لمبة صغيرة بتسلط عليها النور. أمي كانت واقفة قدام الحيطة دي بفخر وتقول لأي حد يزورنا: «دي مش شهادات دي تاريخ عيلتنا»، وكانت بتعتبر إن أي حد يدخل العيلة لازم يضيف شهادة جديدة للحائط.
وأنا؟ كنت البنت الوحيدة اللي ماكانتش عايزة تدخل كلية الطب. من وأنا صغيرة، كنت بحب أقعد جنب جدتي عديلة وهي بتتكلم عن شغلها كممرضة. كانت مختلفة عن باقي العيلة، ماكانتش بتحب تتكلم عن الشهادات ولا الألقاب، وكانت دايمًا تقول: «المريض مش محتاج دكتور بس يا مريم، المريض محتاج حد يفضل جنبه». الكلمة دي فضلت عالقة في دماغي، ولما وصلت لثانوية عامة، كنت عارفة أنا عايزة إيه: تمريض، رعاية مرضى، ورعاية منزلية.
لكن بالنسبة لعيلتي، كان ده بمثابة إهانة. في يوم حفلة تخرجي من الثانوية، وقفت أمي قدام كل قرايبنا وبدأت تتكلم عن أختي الكبيرة كاميليا بفخر إنها هتدخل طب، وبعدين بصتلي بسكتت وقالت: «أما مريم لسه مش عارفين هتعمل إيه في نفسها». ضحك بعض الموجودين، وأنا حاولت أبتسم لكن جوايا كنت مكسورة. وفي نفس الليلة، نادتني أمي ودخلتني غرفة المكتب، وأشارت للحائط حيث كان يوجد برواز جديد رقم 12 لكنه فاضي. قالت ببرود لما سألتها عنه: «لما تعملي حاجة تليق باسم العيلة».
بعدها بسنة، أخبرتهم بقراري إني هتدخل تمريض مش طب. الصمت اللي حصل بعدها كان أسوأ من أي خناقة. أمي ضحكت وقالت: «يعني بعد كل اللي عملناه عشانك، تختاري تبقي ممرضة؟»، وأبويا قفل الملف وقال: «إحنا مش هندي فلوسنا لحاجة إنتِ مش مقتنعة بيها.. يبقى اعتمدي على نفسك». وفي خلال أسبوع، تحولت حياتي بالكامل، مصاريف تعليمي اتوقفت، وبطاقتي البنكية اتقفلت.
وفي الليلة اللي خرجت فيها من البيت وكان عندي 18 سنة، وقفت على باب البيت وبصيت للحائط اللي عليه الشهادات الـ11 المضيئة، وبعدين للبرواز الفاضي. سألت أمي والبرواز ده؟ فقالت: «سيبيه.. يمكن يوم من الأيام تفهمي ليه ماكانتش ينفع يتحط فيه أي حاجة». وقبل ما أمشي، لقيت جدتي مستنياني عند باب الشقة، وخلعت ساعة تمريض قديمة من إيدها وربطتها في إيدي وهي بتقول: «عشان كده لازم تبقى معاكي». وقبل ما تكمل جملتها «مريم إنتِ عمرك ما كنتِ...»، قاطعتها أمي بصوتها، فقالتلي جدتي: «امشي يا بنتي».
بدأت حياتي من الصفر؛ الصبح بشتغل في دار رعاية، وبالليل باخد شغل رعاية خاصة، وكنت بحوش جزء من كل جنيه عشان أكمّل دراستي، أنام ساعات قليلة وأذاكر في المواصلات. بعد سنوات، أسست مشروع بسيط جداً للرعاية المنزلية سميته «نورث لايت». بدأ بترابيزة صغيرة وتليفون ودفتر، وبدأت العائلات والمستشفيات تثق فينا لحد ما كبر المشروع وبقى مؤسسة كبيرة ليها فروع في أكتر من ولاية بعد 9 سنين.
في الفترة دي، اتعرفت على يوسف، دكتور جراحة، وكان أول شخص من خارج عيلتي يفهم ليه أنا اخترت التمريض. اتجوزنا، وقبل فرحنا أصر يوسف يبعت دعوة لعيلتي، وبالفعل رجعت الدعوة مفتوحة وعليها بخط أمي: «ما تفضحيش نفسك».
مرت السنوات لحد ما وصلتني دعوة فرح أختي كاميليا، واسم العريس كان نادر رياض. نادر ماكانش غريب عني؛ كان واحد من الأطباء الشباب اللي استفادوا من برنامج تدريبي بتموله مؤسستي وسميته باسم جدتي «منحة عديلة مراد»، والمفاجأة الكبرى إن يوسف كان من المشرفين على تدريبه. ترددت كتير، وفي النهاية روحت كزوجة ليوسف وبس.