كنت فاكرة إن جوزي جاب واحدة تنظف البيت عشان خايف عليّا
دخلت المكتب بهدوء، وأول حاجة وقعت عيني عليها كانت صورة ليا، مش صورة من صورنا القديمة، دي صورة جديدة جدًا، ومكان التصوير كان داخل بيتنا. قلبت الصورة من الخلف، كان مكتوب عليها بخط أحمد: "الجمعة ٨:٤٠ مساءً". همست لنفسي: بس إزاي؟ أنا كنت لوحدي في البيت وقتها! حطيت الصورة على المكتب، وبدأت أبص حواليّا فلقيت صندوق خشبي مقفول فوق رف صغير. حطيت المفتاح النحاسي فيه، لفيته، تك، اتفتح. جوا الصندوق كان فيه مجموعة أوراق، وكل ورقة عليها تاريخ وقائمة بتفاصيل يومي: "خرجت من البيت ٦:٤٥، رجعت ٦:١٨، نامت بدري، اتصلت بأختها". دي مش مجرد ملاحظات، حد كان بيتابع تفاصيل يومي بدقة.
سمعت صوت خطوات في الصالة بتقرب من باب المكتب، حطيت الأوراق مكانها بسرعة وقفلته. المقبض اتحرك، ودخل أحمد: حبيبتي؟ بتعملي إيه جوه؟ بصيت للباب، وماكانش عندي وقت أفكر، ففتحت الباب وخرجت بابتسامة: كنت بدور على شاحن موبايلي. أحمد بص ورايا مباشرة وقال: الشاحن في أوضتنا. - عارفة بس افتكرت إن فيه واحد هنا. سكت، وبعدين ابتسم ابتسامة مختلفة تمامًا: تمام. مشى خطوتين، ثم لف ناحيتي وقال: على فكرة.. متفتحيش الصندوق اللي فوق المكتب تاني.
حسيت إن الأرض اختفت من تحت رجلي؛ أنا ما قلتلوش إني فتحته، وماكانش المفروض يعرف! بصيت له وأنا بحاول أخفي ارتباكي: صندوق إيه؟ فضل ساكت ثانيتين، وبعدين قال بهدوء: ولا حاجة. ومشى. ولأول مرة بدأت أفكر في السؤال الحقيقي: هو كان عارف إني هدخل مكتبه؟ ولا كان مستني اللحظة دي من البداية؟
قبل ما أقدر أتحرك، موبايلي اهتز برسالة من رقم مش مسجل. فتحتها وكانت صورة لصفحة من الأوراق لسه شايفاها، وتحتها جملة واحدة: "لو عايزة تعرفي مين كان بيراقبك فعلًا اسألي روز عن يوم الأربعاء الأول". خرجت للمطبخ، ولقيت روز هناك، وبمجرد ما سألتها، اعترفت إن أحمد يوم الأربعاء الأول طلب منها تنضف المكتب وهو واقف على الباب، وفي مرة وقع مفتاح من جيبه لدرج مقفول، وبعدها لفتت انتباهي لمفتاح صغير أعطتني إياه عشان أفتح الدرج وأعرف إيه اللي مخبيه.
فتحت الدرج ولقيت ملف بني عليه اسمي بالكامل. أحمد دخل وفتح الملف قدامي، وكانت أول ورقة نسخة من عقد ملكية بيتنا بس تحت اسم مالك تاني خالص أنا ما سمعتش عنه قبل كده. وفي نفس الوقت، بدأت خيوط الحقيقة تظهر تدريجيًا؛ فالرسائل والربطات الحمراء لم تكن سوى رموز لملفات ومستندات كان أحمد يجمعها لإثبات أن بيتنا تعرض لمحاولة تزوير واستيلاء من شخص قديم، وأن روز لم تكن عاملة تنظيف عادية بل وضعتها أمي معنا بمساعدة أحمد لمراقبة أي شخص غريب يحاول الوصول لتلك المستندات وحمايتي.
أما أمي التي اعتقدت أنها اختفت للأبد، فظهرت أخيرًا وأكدت أنها اضطريت للاختفاء طوال تلك السنوات لحمايتي من نفس الشخص الذي كان يلاحق عائلتنا ويهددنا بسبب ملكية البيت. بعد أن سلمنا جميع المستندات للجهات المختصة، أثبتت التحقيقات صحة موقفنا وعاد البيت لملكية عائلتنا قانوني็ا، وانتهت كوابيس الشك والتلصص للأبد. في الأربعاء التالي، جاءت روز كعادتها، لكن هذه المرة لم تكن تحمل كيس زبالة بل وردة وضعتها على ترابيزة المطبخ وهي تضحك: خلاص من النهارده مفيش أسرار في الزبالة. ضحكت من قلبي وأنا بصيت لمكتب أحمد المفتوح، وفهمت أخيرًا أن بعض الأسرار لا تُخفيها البيوت لتخويف أصحابها، بل أحيانًا تُخفيها لكي تحميهم.