أخويا ساب ابنه
كان عمر كريم 12 سنة لما أخويا جابه عندي، وفي إيده شنطة هدوم صغيرة، وقاللي: «مسافر شغل شهر واحد… خليه عندك لحد ما أرجع». الشهر بقى سنة، والسنة بقت 11 سنة. في الأول كان كريم كل يوم يسألني: «بابا اتصل؟» وبعد فترة بطل يسأل. أنا اللي ربيته، ودخلته المدرسة، وقفت جنبه يوم نتيجة الثانوية، ولما اتخرج كنت أول واحد جنبه. حتى يوم ما جه يطلب إيد البنت اللي بيحبها، قال لأهلها: «عمي هو أبويا»، الجملة دي فرحتني ووجعتني في نفس الوقت.
قبل الفرح بأسبوع، لاحظت إن كريم بقى يقفل على نفسه الأوضة ويتكلم في التليفون بالساعات. سألته: «في حاجة؟» فابتسم وقال: «مفيش يا عمي».
يوم الفرح، القاعة كانت مليانة، وفجأة الباب اتفتح ودخل أخويا بعد 11 سنة. شعره شاب ووشه اتغير، لكنه هو. أنا اتجمدت، ومراتي شهقت، لكن كريم بصله بهدوء وكأنه كان مستنيه. أخويا قرب منه وفتح دراعاته وقال: «وحشتني يا ابني»، فرد بسكون: «أهلًا يا بابا».
بصيتله بصدمة، وبعد ما أخويا بعد، مسكت كريم وسألته: «إنت كنت عارف إنه جاي؟» سكت فقلت بانفعال: «رد عليا!» قال: «أيوه». قلبي اتقبض وسألته: «من إمتى بتكلمه؟» رد بهدوء: «من 6 سنين».
حسيت كأن حد ضربني وقلت: «6 سنين؟!», فقال بسرعة: «هو اللي طلب مني مخبيش… بس أنا اللي رفضت أقولك». — «ليه؟» بصلي والدموع في عينيه: «عشان كنت خايف تعرف الحقيقة».
قبل ما أسأله، المأذون نادى عليه وقال: «بعد الفرح هفهمك كل حاجة». لكن أثناء كتب الكتاب، أخويا قام فجأة وقال قدام الناس: «قبل ما ابني يتجوز، لازم أصلح غلطة عملتها من 11 سنة». طلع ظرف من جيبه، لكن كريم وقف وقال: «لأ يا بابا.. كفاية سكوت».
كريم بصلي وكان مرعوب. أخويا ناولني الظرف، ففتحته لقيت جواه تحويلات بنكية باسمي كل شهر من 11 سنة ومبالغ كبيرة. رفعت عيني بصدمة: «إيه ده؟» قال أخويا: «دي الفلوس اللي كنت ببعتها كل شهر عشان مصاريف ابني». قلت بصدمة أكبر: «أنا عمري ما استلمت منك جنيه!» القاعة كلها سكتت. أخويا اتجمد وقال: «مستحيل… كنت ببعتها على الحساب اللي إنت بعتهولي». رديت: «أنا مبعتلكش رقم حساب».
فجأة كريم قال: «أنا عارف الفلوس راحت فين». بصيتله، طلع موبايله وفتح رسالة قديمة وقال: «عشان كده كنت بكلم بابا من 6 سنين. أنا اكتشفت بالصدفة إن في حد كان بيرد عليه باسمك طول السنين دي… ويقوله إنك بتاخد الفلوس، وإنك مش عايزه يرجع عشان أنا بقيت ابنك».
حسيت الدم وقف في عروقي: «مين؟» كريم بص ناحية آخر القاعة، اتبعت عينيه ولقيته بيبص لشخص كان واقف وسط عيلتنا من أول الفرح.. شخص مستحيل أشك فيه. كريم قرب مني وهمس: «قبل ما أقولك مين… لازم تعرف إن بابا ماكانش مسافر الـ11 سنة بمزاجه». ثم مد إيده بورقة تانية وقال: «والشخص اللي أخد فلوس تربيتي… هو نفسه اللي كان السبب إن بابا مايعرفش يرجع».
مسكت الورقة التانية وإيدي بتترعش مكنتش قادر أسيطر عليها.. فتحتها وأنا عيني بتتنقل بين السطور بصدمة بتموتني في مكاني. الورقة كانت عبارة عن حكم محكمة وصور من مراسلات رسمية تكشف إن أخويا "سعيد" اتقبض عليه في الغربة بعد سفره بشهرين بتهمة كيدية اتمسكت فيها بضاعة غير قانونية في المحل اللي كان شغال فيه، واتحكم عليه بـ 10 سنين سجن هناك.. وكان بيحاول يكلمني عشان أنقذه أو يفهمني حقيقة غيابه المفاجئ، بس في حد كان مانع الصوت ده يوصلي!