رسالة صفية الاخيرة
ومن ساعتها، بقت عادة ثابتة.
بقى كل ما يكون معايا فلوس زيادة شوية من الدروس أو الشغل، أعدي على السوق، أجيب معايا حاجة طازة وجميلة، وأدخل المطبخ أطبخهالها بنفسي. مرات كنت بعمل لها شوربة لسان عصفور دافية باللحمة، ومرات طبخة خضار بالفراخ، ومرات تانية مجرد طبق رز وجميل وسلطة.
صفية كانت دايماً بتاكل بالراحة جداً وبنفس راضية، ومبتسمة طول ما هي بتاكل، وأنا قاعد جنبها بحكي لها عن الكلية وعن الشغل وعن الناس، وهي تسمعني كأنها أم بتسمع ابنها الوحيد اللي غاب عنها سنين.
ومش بس الأكل، دي كانت زيارات المستشفى كمان.
خشونة المفاصل والتهابات العظام بتاعتها كانت بتشد عليها ساعات لدرجة إنها مبتقدرش تقوم من السرير أصلاً، ويبقى ضغطها عالي ودايخة. وكل ما ده كان يحصل، كنت بسيب كل اللي في إيدي، أجري عليها، وأخدها معايا في توك توك على المستشفى العام، وأستنى جنبها ساعات وساعات لحد ما تدخل الكشف، وتصرف العلاج، وتاخد الحقنة بتاعتها، وأرجع بيها لحد باب بيتها وأطمن عليها بنفسي.
في يوم من الأيام، بعد الظهر، واحنا طالعين بره باب المستشفى والدنيا كانت زحمة، وقفت صفية فجأة، وبصت لي، ومدت إيديها ومسكت إيدي بقوة غريبة بالنسبة لضعف جسمها.
صوابعها كانت باردة وناعمة وضعيفة جداً. بصت لي وقالت بصوت هادي ومبحوح: "انت بتفكرني بابني الصغير يا زياد."
سكت وبصيت لها باهتمام، فقالت: "هو كمان كان ولد طيب زيك كده.. قلبه أبيض وخدوم.. بس الدنيا خدته مني بدري."
بصيت لها وفهمت على طول وبدون تفاصيل كتيرة. هي مكنتش بتتكلم عني أنا شخصياً، هي كانت بتتكلم عن حد غالي عليها قوي فقدته في يوم من الأيام وعايش جوه قلبها.
عمر ما سألتها إيه اللي جرى لابنها، ولا مين هو، ولا راح فين. مكنش فيه داعي أفتح جروح قديمة وهي بتنزف لوحدها أصلاً. حسيت بس إن ربنا بعتني عشان أكون سبب في إنها تفتكر ابنها وتحس بحنية تحميها من وحشة الوحدة.
من بعد اليوم ده، العلاقة بقت أعمق بكتير. معرفتش أسيبها أو أنساها أو أبطل أروح لها. بقيت أرجع أسبوع بعد أسبوع، وشهر بعد شهر، أشتغل وأجري على الكلية وأجيلها أطمن عليها وأطبخ لها.
والغريب بقى في الموضوع كله، إن صفية عمرها ما ادتني فلوس التنظيف ولا مرة من بعد أول شهر!
كان دايما فيه عذر، وكل مرة تقولي نفس الكلمات وهي مكسوفة ومش قادرة تبص في عيني: "الأسبوع الجاي يا زياد.. معلش استحملني." "هيكونوا معايا قريب لما المعاش ينزل أو لما أقبض القرشين بتوعي." "اديني بس شوية وقت كمان يا ابني." "معلش.. بوعدك هاديك كل فلوسك المتأخرة أول ما أحس بتحسن."
كنت دايماً ببتسم في وشها وأقول بصوت هادي: "يا أمي صفية، عيب عليكي! اتكلمي في إيه! أنا بجي هنا عشان بحب أقعد معاكي مش عشان الفلوس.. اعتبريني ابنك بجد ونسي موضوع الفلوس ده خالص."
كنت عارف كويس إنها معهاش مليم، وعارف إنها فقيرة لدرجة لا توصف، وكنت عارف إني بشتغل ببلاش وفي الوقت ده أنا اللي بصرف عليها من جيبي المحروق.
Yet، رغم كده، كملت ومبطلتش أروح.
ليه؟ عشان ساعتها، مكنتش بفكر في المئتين جنيه ولا الفلوس دي خالص. كنت بفكر في صفية وهي قاعدة لوحدها في البيت الهادي المظلم ده، مستنية الباب يدق. كنت بفكر في قد ايه وشها كان بيفرح لما أدخل عليها وأنا حامل كيس الأكل. كنت بفكر في كمية الوحدة والوجع اللي عاشت فترات طويلة لوحدها فيهم، ومستنية حد بس يقعد جنبها من غير ما يطلب منها مقابل.
دامت الحكاية دي شهور طويلة. لحد ما في يوم، رحت الحارة وخبطت على الباب كالعادة.
محدش فتح.
خبطت تاني وتالت. استنيت دقايق طويلة، بس مفيش صوت عصاية ولا صوت كحة ولا أي حركة من جوه البيت. حسيت بقبضة في قلبي غريبة. سألت جارتها اللي قاعدة قدام باب بيتها، فبصت لي بعيون مدمعة وقالت بصوت واطي: "البقاء لله يا زياد.. صفية ماتت إمبارح بالليل في المستشفى.. وتعبت فجأة وراحت في الوعي ومسابتش حد."
وقفت قدام باب بيتها لساعات طويلة، مش مصدق اللي سمعته. عقلي وقف، ورجلي مبقتش شايلاني. الست العجوزة الطيبة اللي كنت بنضف بيتها وبقعد معاها وبنحكي مع بعض شهور، مشيت وفجأة اختفت من الدنيا.
افتكرت إن دي النهاية القاسية للقصة. مفيش فلوس. مفيش تفسير. مفيش كلام أخير. مجرد نهاية هادية وحزينة لعلاقة إنسانية مكنتش متخيل أبداً أبداً إنها هتفرق معايا للدرجة دي، وإن وجع فراقها هيبقى قاسي عليا كده. حسيت إن جزء مني اتخدع ومبقاش موجود.
بس بعد ما خلصت الجنازة وخلص العزا، وأنا واقف بره الحارة حزين وشارِد، وقفتني واحدة ست من معارف صفية الكبار في السن، وقربت مني بحذر ومدت إيدها بظرف أبيض قديم ومقفل كويس بإحكام.
بصت لها باستغراب وقالت لي: "انت زياد صح؟ الست صفية الله يرحمها وصتني بالظرف ده.. قالت لي لو زياد جه بعد ما أموت، اديه له بيدي ومن غير ما حد تاني يشوفه."
مسكت الظرف وإيدي كانت بترج بعنف. بصيت لتحت ولقيت اسمي "زياد" مكتوب بخط إيدها المرتعش القديم على ظهر الظرف. عرفت خط صفية على طول من كتر ما شفته في حاجات كتيرة عندها.
فتحت الظرف وإيدي بتتردد، وكنت مستني مثلاً ورقة شكر بسيطة، أو رسالة وداع تدعي لي فيها بالخير، أو حتى اعتذار صغير عن الفلوس اللي مكنتش قادرة تديهالي.
بدل ده كله، طلعت ورقة مكتوبة بخط إيدها، وأول جملة فيها خلت قلبي يقف تماماً عن النبض للحظات من شدة الصدمة والذهول.
الجملة كانت بتقول: "يا زياد يا ابني.. لو بتورى الرسالة دي، فاعرف إني سبت الدنيا ورايح لزوجي وابني.. وعارفة إنك استغربت ليه عمري ما ديتك فلوس التنظيف ولا تمن الأكل اللي كنت بتجيبه.. الحكاية وما فيها يا ابني، إني مكنش معايا مليم واحد، وكنت عايشة على معاش منقطع، بس دار العجزة اللي كنت مسجلة فيها زمان والبيت ده، كان محطوط باسمي.. وأنا كتبت لك البيت ده بكل ما فيه بكل ما أملك، وعملت الورق رسمي عند المحامي عشان يكون ملكك وحدك.. عشان لما تخلص كليتك تلاقي مكان سقف يداريك ومتبقيش طفران زي ما كنت بتقول لنفسك.. انت ابني اللي ربنا بعتهولي في آخر أيامي، وأنا معملتش ده غير عشان كنت أطهر وأطيب قلب قابلته في حياتي كلها.. الله يرضى عليك ويرزقك."
قريت الكلمات دي والدموع نزلت من عيني بغزارة من غير ما أقدر أسيطر عليها. بصيت لبيت صفية القديم، وحسيت بروحها الطيبة حواليا في كل زاوية، وفهمت إن الحاجات الطيبة اللي بنعملها للناس من غير مقابل عمرها ما بتضيع أبداً عند ربنا، وإن جزاء الإحسان دايماً بيبقى أكبر بكتير من كل فلوس الدنيا.