رسالة صفية الاخيرة
اسمى زياد، وعمري واحد وعشرين سنة. أنا في سنة تالتة في الكلية هنا في الإسكندرية، وبعمل كل اللي أقدر عليه عشان أفضل مسجل وملاقي أكل أكلُه، وأدفع مصاريف الكلية اللي بتزيد كل سنة عن اللي قبلها.
عشان ظروفي الصعبة وطفران على طول، مكنش ينفع أنقي في الشغل ولا أقول لا على أي حاجة تطلع قدامي. حياتي كانت عبارة عن تجري ورا لقمة العيش؛ أصحى من الفجر أروح أشتغل ساعتين في محل كشري أشيل طماطم وبصل، وبعدين أجري على الكلية أحضر المحاضرات وأنا عيني مغمضة من التعب، وبعد المحاضرات أدي دروس خصوصية لعيال صغيرة في الشارع اللي جنبنا، ولما الليل يليل أشتغل على توك توك ساعات لو صاحبه وافق أجرُه منه، أو أشيل كراتين في سوق الجملة. أي قرش بالحلال كان بينقذني من يوم جديد صعبة مصاريفه.
في يوم، كنت قاعد بقلب في الموبايل وأنا باكل لقمة ناشفة، ولقيت إعلان على مجموعة شغل على الفيسبوك. الإعلان كان غريب شوية وشكله بسيط زيادة عن اللزوم، لدرجة إنه لفت نظري وسط زحمة الإعلانات الوهمية.
"ست كبيرة قاعدة لوحدها في حارة شعبية، محتاجة حد ينضف بيتها الصغير مرة واحدة في الأسبوع."
البيت كان في حارة ضيقة قديمة جوه البلد، من الحواري اللي ريحتها أصلًا بتاخدك لأيام زمان، حواري بيوتها لازقة في بعضها والشبابيك قديمة وخشبها مقشر. الفلوس اللي مكتوبة في الإعلان مكنتش كتيرة خالص، بالعكس، كانت حاجة لا تذكر بالنسبة لمجهود، بس أنا كنت ساعتها محتاج أي قرش يمشيني، والأهم إن الشغلانة دي كانت مرة في الأسبوع، يعني مش هتتعارض مع جدول كليتي ولا دروسي.
خدت بعضي وتوكلت على الله، ورحت العنوان. الحارة كانت هادية على غير عادة الحواري الشعبية، مشيت لحد ما وصلت للرقم المطلوب. دقيت على الباب الخشب القديم اللي متغطي بطبقة من البوهية المقشرة، وبعد دقايق سمعت صوت خبط عصاية على الأرض من جوه، والباب اتفتح ببطء شديد.
لما روحت أول مرة، ست عجوزة جداً وتعبانة هي اللي فتحت الباب. كانت رفيعة خالص، كأن الهوا الطري يقدر يشيلها، وشعرها كله أبيض زي الثلج، وإيديها كانت بترج بعنف وهي سندة بكل قوتها على عصاية خشب قديمة.
بصت لي بعيون دافئة بس مليانة تعب الدنيا، وقالت بصوت مكسور وضعيف: "انت زياد صح؟ اللي كلمتني في التليفون؟"
ابتسمت لها بحنية وقولت: "أيوه يا أمي، أنا زياد.. ازيك عاملة إيه؟"
قالت بصوت واطي: "أنا صفية يا ابني.. أهلاً بيك."
البيت اللي وراها كان شكله تعبان زيها بالبحت. الحيطان باهتة ومقشرة، والعفش قديم من أيام أجدادنا، وفيه راديو قديم مكسور قاعد على الترابيزة بيلم تراب، وصصور عيلة قديمة بالأبيض والأسود متعلقة معوجة على الحيطان، والسرير الخشب في الزاوية كان شكله كأنه موجود من عصور فاتث. ريحة البيت كانت ريحة عتاقة وذكريات قديمة.
صفية قالت لي بهدوء وهي بتجرجر رجلها جوه الصالة: "يا ابني أنا عندي خشونة شديدة في المفاصل وضغط عالي وكمان تعب في قلبي. حتى وهي ماشية جوه الأوضة بكون حاسة إني شايلة جبل على كتفي، وبتعب وتتخنق.. وده سبب إني مش قادرة أنضف البيت ولا أعمل حاجة لنفسي."
فهمت الموقف من نظرة واحدة. مسؤولياتي كانت بسيطة ومحددة—أنضف الأرضيات، أنفض العفش من التراب، أغسل شوية المواعين اللي في الحوض، وأخلي البيت ميبصش خالص وميبقاش فيه تراكمات وسخونة.
وفي المقابل، وعدتني تديني مئتين جنيه كل أسبوع.
وافقت على طول وبدون تردد. المئتين جنيه مكنوش ثروة، ومش هيغنوني، بس لما تكون طالب طفران وجيبك فاضي، المئتين جنيه دول ممكن يفرقوا بين إنك تاكل وتعيش اليوم أو تفوت وجبة وتنام وأنت حاسس بوجع في بطنك.
بدأت الشغل. في الأول، كل حاجة كانت ماشية بشكل طبيعي ومألوف. بروح أنضف، وأخلص اللي ورايا، وتاخدني على قدري، وتديني ابتسامة صغيرة وأنا ماشي. بس مع مرور الأسابيع، ابتديت ألاحظ تفاصيل تانية خالص وجعت قلبي من جوايا.
لاحظت إن صفية تقريباً مفيش عندها أي حاجة تاكلها.
كل ما أفتح التلاجة بتاعتها—اللي كانت تلاجة قديمة بتطلع صوت زنة عالية—ألاقيها فاضية تقريباً إلا من حاجات بسيطة جداً لا تقيم أصلًا بني آدم.
شوية بيض مسلوقين متبقيين من كام يوم. شوية خضار دبلان في الكيس. طبق رز بايت من امبارح. ممكن شوية صلصة في برطمان قديم. ولا أكتر من كده خالص.
استغربت جداً وسألت نفسي: الست دي بتاكل إيه؟ عايشة إزاي بالضعف ده؟ وفين عيالها وأهلها؟
في يوم من الأيام، بعد الظهر، خلصت تنظيف وقفت في المطبخ وبصيت لها وهي قاعدة على الكرسي الخشب بتكح كحة ضعيفة، فما استحملتش وسألتها عن ده أخيرًا وبكل أدب: "يا أمي صفية.. أنا بفتح التلاجة دايماً بلاقيها شبه فاضية.. هو إنتي مش بتطبخي كويس ليه؟ ولا مش ليكي نفس للاكل؟"
بصت لي وسابت العصاية من إيديها، ابتسمت ابتسامة مكسورة وقالت نفس الإجابة اللي دايماً بتبقى جاهزة على لسانها، كأنها حافظاها عشان تطمن اللي قدامها: "يا ابني.. عيالي عايشين بعيد.. وكل واحد لاهيته دنيته وعياله وشغله.. وأنا مش عايزة أتعبهم معايا.. ربنا يباركلهم."
متكلمتش ولا ضغطت عليها أكتر من كده، بس من جوه، بالليل لما روحت أُوضتي الضيقة اللي في أخر الدنيا، معرفتش أنسى كلامها ولا نظرة عيونها الضعيفة. حسيت بغصة في قلبي. الست دي بتديني فلوس التنظيف، وهي شكلها أصلاً بتستلف عشان تديهالي، وفي نفس الوقت جعانة ومشلاقي حد يطبطب عليها أو يعمل لها لقمة دافية.
الأسبوع اللي بعده، قررت أعمل حاجة من نفسي. فضلت قاعد بعد ما خلصت تنظيف البيت وخلصت كل اللي ورايا. نزلت السوق الشعبي اللي قريب من الحارة، ومعايا حتة من الفلوس القليلة اللي كنت محوشها لدفاع الكلية أو للأكل. اشتريت فرخة صغيرة، وشوية طماطم وبصل وشوية رز وملح وجميل، واشتريت حاجات تكفي عشان أعمل لها وجبة عدلة محترمة تدفي جسمها المكسور ده.
طلعت البيت تاني، ودخلت المطبخ وشمرت إيدي، وطبخت لها بنفسي أحسن صينية شوربة وأكل سخن وجميل، ريحته ملت البيت كله.
لما قدمت لها الأكل، رد فعل وشها فاجئني لدرجة إني حسيت بدموع بتجمع في عيني. ما تكلمتش كتير، بس عيونها دمعت وبصت لي بامتنان عميق، وكانت مبسوطة بجد، كأنها ملكت الدنيا باللي فيها. قالت لي بصوت مهتز: "يا ابني.. ربنا يفرح قلبك زي ما فرحت قلب العجوزة دي.. محدش عمل معايا كده من سنين."