يوم ما استلمت منصبي في الشركة

لمحة نيوز

ولا جنيه هيخرج من الشركة. بس مش دلوقتي.
سيبتهم يملوا كل النماذج، سيبت كل موظف يدخل باسمه وكل موافقة إلكترونية تتسجل وكل توقيع يتحط وكل جهاز يدخل على النظام نحتفظ بعنوانه. كنت عايزة السلسلة كاملة من أول الشخص اللي طلب التحويل لحد آخر واحد وافق عليه.
ولما وصلوا للخطوة الأخيرة فقط... قفلت العملية. المبلغ ما خرجش، لكن الدليل بقى عندي.
الساعة عشرة بالليل... وصلني اتصال من فريق الأمن الداخلي
أستاذة ملك، لازم تيجي تشوفي ده بنفسك.
نزلت على المكتب المالي، ولما دخلت لقيت رئيس الحسابات واقف وسط الغرفة؛ أكياس مليانة ورق مفروم حواليه، عقود متقطعة، ووحدات تخزين متناثرة على المكتب، وفي إيده مطرقة كان بيستخدمها علشان يكسر الهاردات القديمة.
أول ما شاف أفراد الأمن داخلين ورايا... المطرقة وقعت من إيده، وشه اصفر وقعد على الكرسي وهو بيعيط
غصب عني... والله العظيم غصب عني.
قربت منه
مين؟
فضل ساكت. قلت
مين اللي أمرك؟
رفع عينه ناحيتي وقال
الأستاذ شريف راضي... نائب رئيس المجموعة للشؤون المالية.
سكت الجميع. شريف كان واحد من أقوى خمسة أشخاص في مجموعة المنصوري، راجل اشتغل مع والدي سنين.
قلت
كمل.
رئيس الحسابات بلع ريقه
هو اللي بيدير كل حاجة... كارما بتحصل الفلوس وتجهز العمليات، أنا بنضف السجلات بعدها، والأستاذ شريف بيعتمد كل حاجة من الإدارة المركزية.
وقبل ما أسأله سؤال تاني... موبايلي رن. مكالمة فيديو من رقم شريف.
بصيت للشاشة ثانيتين وبعدين رديت.
ظهر شريف قدامي قاعد في المكتبة الخاصة بتاعته في بيته، لابس قميص أبيض وماسك كاس في إيده بكل هدوء. لكن المفاجأة ما كانتش فيه... المفاجأة كانت الشخص اللي واقف وراه كارما.
بصيتلها فابتسمتلي.
شريف رفع الكاس وقال
مساء الخير يا ملك.
قلت
واضح إنك كنت مستنيني.
ضحك
كنت مستني أشوف هتوصلي لحد فين.
وبعدين قرب من الكاميرا
إنتِ لسه صغيرة يا ملك... وبتخلطي بين السلطة والذكاء.
ما رديتش. قال
ممكن توقفي موظفين. ممكن تطردي مديرة فرع. ممكن تعملي تحقيقات وتلعبي شوية في الحسابات. لكن أنا؟ ما تقدريش تلمسيني.
كارما قربت من الموبايل وقالت بابتسامة مستفزة
بكرة الصبح هرجع مكتبي كمديرة للفرع. وإنتِ اللي هتخرجي من مجلس الإدارة.
بصيت لشريف
خلصتوا؟
ابتسامته اختفت شوية وقال
عندي ملفات لو خرجت للصحافة، المجموعة مش هتستحمل أسبوع.
بتهددني؟
بنصحك.
حط الكاس على الترابيزة
خسارة مية وعشرين مليون جنيه حاجة مزعجة طبعًا... لكن خسارة الشركة كلها حاجة ما تتغفرش.
سكت شوية قبل ما أقول
شريف... بص على الشاشة عندك.
فعّلت مشاركة الشاشة، فظهر قدامه سجل إلكتروني كامل. قلت
من 12 دقيقة حاولت تمسح بيانات من السيرفرات.
ملامحه اتغيرت. كملت
المشكلة إن السيرفر اللي دخلت عليه ماكانش السيرفر الحقيقي... كان سيرفر طُعم. عندي عنوان الجهاز اللي استخدمته، وعندي كل الأوامر اللي كتبتها، وبيانات الدخول بتاعتك، وسجل كامل لمحاولة الاختراق والمسح.
لأول مرة... إيده اتهزت والتأثر ظهر عليه، لكن شريف حاول يفضل ثابت
إنتِ مش فاهمة حجم اللعبة.
قلت
بالعكس. أنا بدأت أفهم.
وقفلت المكالمة.
كنت فاكرة إن شريف هو رأس الشبكة، لكن بعد ساعات قليلة، فريق الأمن السيبراني دخل مكتبي ومعاه اكتشاف أخطر من كل اللي فات.
واحد منهم حط ملف قدامي وقال
الأستاذ شريف كان فاتح قناة اتصال سرية بقالها سنتين.
مع مين؟
سكت ثانية
مجموعة الشروق المتحدة.
حسيت ببرودة في جسمي. مجموعة الشروق كانت أكبر منافس مباشر لينا في السوق.
فتحت البيانات ولقيت آلاف الملفات اتبعتت خلال سنتين مخططات مشروعات، قواعد بيانات العملاء، عروض أسعار سرية، دراسات استحواذ، ومعلومات عن الأراضي اللي المجموعة ناوية تشتريها.
لكن أسوأ حاجة كانت ملفات مشروع النيل الأخضر... المشروع اللي صرفنا عليه مليارات، تكنولوجيا بناء مستدامة جديدة كان المفروض تغيّر طريقة تنفيذ مشروعاتنا بالكامل وتدينا أفضلية ضخمة على أي منافس لسنين.
سألت
خدوا قد إيه؟
الخبير بصلي وقال
حوالي 85 من ملفات المشروع.
فضلت باصة للشاشة. 85... يعني تقريبًا كل حاجة.
هنا بدأت أشك. شريف فاسد، أكيد. لكن هل هو غبي؟ لأ. شريف عنده أسهم في المجموعة، عنده سلطة، وعنده منصب يجيبله ملايين بشكل قانوني. ليه يدمر الشركة اللي هو نفسه جزء من ملاكها؟ ليه يبيع مشروع لو اتسرق ممكن يخفض قيمة أسهمه هو شخصيًا؟
الإجابة كانت واضحة شريف مش الرأس. حد تاني بيستخدمه، حد عنده سبب أكبر.
وفي الساعة ستة الصبح... بدأ الهجوم الحقيقي. صحيت على عشرات المكالمات، فتحت المواقع الإخبارية وصورتي كانت في كل مكان
رئيسة مجموعة المنصوري الجديدة تبدأ عهدها بحملة تصفية حسابات.
خبر تاني اتهامات بإساءة استخدام السلطة داخل مجموعة المنصوري.
وخبر ثالث مصادر الإدارة الجديدة تخفي أزمة مالية ضخمة.
خلال ساعات، بقيت أنا المتهمة. قالوا إني متسلطة، إني فاسدة، إني المسؤولة عن أزمة المجموعة، وإن القرارات اللي أخدتها من أول يوم سببت حالة ذعر بين المستثمرين.
السهم بدأ ينهار، وبحلول الظهر مجموعة من أعضاء مجلس الإدارة قدموا طلب رسمي لاجتماع طارئ. الهدف؟ سحب الثقة مني.
وافقت فورًا.
الساعة اتنين الضهر، دخلت قاعة مجلس الإدارة في المقر الرئيسي. الوجوه اللي كانت المفروض تستقبلني بالتصفيق في أول يوم... كانت قاعدة دلوقتي علشان تصوت على طردي.
حطيت الملف قدامي وقلت
أنا مش هطلب منكم تصدقوني.
بصيت لكل واحد فيهم
كل اللي بطلبه تلات أيام.
واحد من الأعضاء قال
تلات أيام علشان إيه؟
قلت
علشان أثبت إن اللي بيحصل مش أزمة إدارة... دي مؤامرة كاملة لسرقة المجموعة وتسليم أهم أسرارها لمنافسينا.
بدأ الهمس. وفجأة... سمعت صوت أعرفه أكتر من أي صوت في القاعة
أنا آسف يا ملك.
لفيت ناحية الصوت... كان عمي محمود المنصوري، شريك مؤسس في المجموعة وأخو أبويا الله يرحمه. الراجل اللي كان موجود في حياتي من وأنا طفلة. بعد وفاة أبويا، هو اللي كان دايمًا بيقولي اعتبريني أبوكي. هو اللي علمني أول مرة أقرا ميزانية شركة، وهو اللي وقف جنبي يوم جنازة أبويا وماسابش إيدي. هو أكتر شخص كنت واثقة فيه داخل مجلس الإدارة كله.
بصلي عمي محمود قدام الجميع وقال
أنا هصوت بالموافقة على عزلك من رئاسة مجلس الإدارة.
ماعرفتش أرد، لكن وأنا باصة في عينه... افتكرت التوقيع اللي شفته على العقد، التوقيع اللي أعرفه من طفولتي.
وفجأة... كل حاجة ركبت مكانها.
شريف... كارما... العقود المزورة... المعلومات اللي خرجت للمنافس... الهجوم الإعلامي... والتصويت المفاجئ.
شريف ماكانش بيخون مجموعة المنصوري لوحده، حد كان بيستخدمه. وذلك الشخص كان عمي محمود... الراجل اللي وثقت فيه طول عمري، الراجل اللي كان أخو أبويا وشريكه وأقرب شخص لعيلتنا هو اللي باع مجموعة المنصوري فعلًا.
لكن كان فيه سؤال واحد أخطر من كل اللي اكتشفته ليه؟ ليه راجل شارك في تأسيس الشركة يحاول يدمرها؟ وليه استنى لحد اليوم اللي استلمت فيه أنا الرئاسة؟
بصيت لعمي محمود وقلت
موافقة على التصويت.
رفع حاجبه باستغراب، فكملت
لكن عايزة التلات أيام الأول.
ابتسم ابتسامة صغيرة
خديهم.
ماكنش يعرف إن موافقته دي كانت بالظبط اللي أنا محتاجاه. لأن لو عمي محمود هو العقل الحقيقي ورا كل ده، فأنا ماكنتش محتاجة أثبت بس إنه خاين... كنت محتاجة أعرف هو بيشتغل لمصلحة مين.
وعلشان أوصل للحقيقة... كان لازم أخليه يصدق إني خسرت، كان لازم أخليه يفتكر إن مجلس الإدارة انقلب عليّا وأن الشركة بقت على بعد خطوة واحدة من إيدي، كان لازم أسيبه يتحرك بحرية ويروح بنفسه للشخص اللي واقف وراه.
لكن اللي ماكنتش أعرفه وقتها... إن وأنا بحاول أنصب لعمي فخ، هو كمان كان مجهزلي فخ من سنين، فخ بدأ قبل موت أبويا نفسه.
وأنا... بإيدي... كنت لسه داخلة أخطر جزء فيه.
الجزء الثالث
خرجت من اجتماع مجلس الإدارة وأنا عارفة إن كل عين في المبنى بتراقبني. قبل ما باب القاعة يتقفل ورايا، سمعت واحد من أعضاء المجلس بيقول
تلات أيام مش هيغيروا حاجة.
ما التفتش. دخلت الأسانسير لوحدي، ولأول مرة من بداية اليوم سمحت لنفسي أتنفس.
بصيت لانعكاسي في المراية. كل الأدلة كانت بتقول إن عمي محمود هو الخاين، لكن حاجة واحدة كانت مضايقاني الأدلة كانت واضحة زيادة عن اللزوم. عمي محمود مش غبي، الراجل ده بنى مجموعة المنصوري مع أبويا من الصفر، يعرف الحسابات، يعرف القانون، ويعرف كل ثغرة في نظام الشركة تقريبًا. فهل منطقي يسيب توقيعه على عقد مزور؟
طلعت موبايلي واتصلت بمدير الأمن السيبراني
محتاجة منك حاجة سرية جدًا.
تحت أمرك يا فندم.
من اللحظة دي، أي بحث هنعمله عن عمي محمود مايتسجلش على أنظمة الشركة.
سكت ثانية
حضرتك شاكّة فيه؟
قلت
أنا شاكّة في كل الناس.
وقبل ما أقفل أضفت
حتى في الأدلة اللي قدامي.
الساعة خمسة العصر رجعت بيتي. أول ما دخلت، لقيت أمي نادية المنصوري قاعدة في الصالون، كانت ماسكة التابلت وصورتي ظاهرة على واحد من المواقع الإخبارية. أول ما شافتني قامت واحتضنتني
ملك...
ولأول مرة من يومين حسيت إني مش رئيسة مجلس إدارة... أنا بنت خايفة.
قالت
محمود عمل كده ليه؟
بعدت عنها وبصيتلها
إنتِ عرفتي؟
مصر كلها عرفت.
سكتت شوية وبعدين قالت
عمك عمره ما كان هيعمل كده فيكي من غير سبب.
الجملة وقفتني
تقصدي إيه؟
ارتبكت
ولا حاجة.
ماما.
بصت بعيد، فقربت منها
فيه حاجة أنا ماعرفهاش؟
هزت راسها بسرعة
أبوكي وعمك كان بينهم مشاكل في آخر سنة قبل وفاة أبوكي، بس دي مشاكل شغل.
مشاكل إيه؟
ماعرفش التفاصيل.
كانت بتكدب وأنا أعرف أمي كويس. لكن قبل ما أضغط عليها، موبايلي رن رئيس فريق المراقبة.
أستاذة ملك... عمك محمود خرج من المقر.
رايح فين؟
مش رايح البيت.
وقفت
تابعوه.
بالفعل، بعد حوالي أربعين دقيقة وصلتني رسالة فيها موقع فندق صغير على طريق إسكندرية الصحراوي.
غريب! عمي محمود عنده مكتب، وبيت، ونادي، وعشرات الأماكن اللي يقدر يقابل فيها أي حد... ليه فندق بعيد؟
قلت
محدش يقرب منه. عايزة أعرف هيقابل مين وبس.
بعد عشر دقايق وصلتني صورة؛ عمي محمود داخل الفندق. وبعده بسبع دقايق وصلت عربية سوداء نزل منها راجل. كبرت الصورة... قلبي دق بسرعة؛ كان شريف راضي، نائب رئيس المجموعة للشؤون المالية والشخص اللي كنا متأكدين إنه بيدير شبكة كارما.
قلت
صوروا كل حاجة.
بعد أقل من نص ساعة خرج شريف، لكن عمي محمود ما خرجش. عدت ساعة، ساعتين... وأخيرًا، الساعة تسعة إلا ربع خرج شخص تالت من الفندق ست لابسة نضارة سودا رغم إن الدنيا ليل، ركبت عربية بسرعة. الفريق لحق يصورها قبل ما تتحرك.
الصورة وصلتني وماعرفتهاش، بعتها فورًا لفريق التحقيق. بعد عشرين دقيقة رجعولي بالاسم داليا السيوفي، عضو مجلس إدارة سابق في مجموعة الشروق المتحدة منافسنا الأكبر.
لكن المفاجأة الحقيقية كانت في السطر اللي بعده داليا استقالت رسميًا من مجموعة الشروق من تلات سنين، وبعدها أسست شركة استثمار خاصة في نفس السنة اللي بدأت فيها أول التحويلات المشبوهة من مجموعة المنصوري!
قلت
عايزة كل حاجة عنها.
الساعة واحدة بعد نص الليل كنت في المكتب، قدامي ملفات داليا السيوفي شركات، حسابات، استثمارات، عقارات، وشراكات قديمة. لكن مافيش دليل مباشر يربطها بعمي محمود، لحد ما أحد المحققين دخل وقال
لقينا حاجة.
حط صورة قدامي... صورة قديمة جدًا اتصورت من حوالي 28 سنة. أبويا واقف فيها، عمي محمود جنبه، وبينهم داليا السيوفي كانت أصغر طبعًا، لكن هي.
قلبت الصورة مكتوب وراها بخط إيد البداية... محمود، حازم، داليا. حازم كان أبويا.
بصيت للمحقق
الصورة دي جبتوها منين؟
من أرشيف قديم لشركة اتقفلت قبل تأسيس مجموعة المنصوري بسنتين.
اسمها إيه؟
فتح الملف
شركة الأفق للتطوير.
ماكنتش سمعت الاسم قبل كده. قلت
مين كان ملاكها؟
سكت لحظة وبعدين قال
والد حضرتك... وعم حضرتك... وداليا السيوفي.
هنا القصة كلها اتغيرت. داليا مش منافسة ظهرت بعدين، داليا كانت موجودة قبل مجموعة المنصوري نفسها.
قلت
الشركة اتقفلت ليه؟
رسميًا؟ خسائر.
وغير رسمي؟
حط ملف تاني قدامي
حصلت قضية اختلاس.
فتحت الأوراق. المبلغ بمعايير الوقت ده كان ضخم جدًا، وفي النهاية القضية اتقفلت بعد ما واحد من المحاسبين اعترف إنه المسؤول. لكن المحاسب
تم نسخ الرابط